تأملات
لم يكن مجلسُ النَّبيِّ ﷺ مجلسَ كلماتٍ تُقالُ، بل حضنًا تُربَّى فيه القلوبُ على مهلٍ؛ حيثُ تكفي لفتةٌ صادقةٌ لتُعيدَ تعريفَ الرِّجولةِ، وتكفي قبلةٌ دافئةٌ لتقولَ ما تعجزُ عنه الخُطبُ. هناك، كانت الرَّحمةُ تُعلَّمُ بالفعلِ قبلَ القولِ، وتُزرَعُ في النفوسِ كما تُزرَعُ الطُّمأنينةُ في صدرِ طفلٍ صغيرٍ!
كان مجلسُهُ دومًا مدرسةً للدِّينِ والدُّنيا معًا، يكفي أن تقرأَ سيرتَهُ بعقلك لتفهمَ، وأن تقرأَها بقلبك لتتهذِّبَ وتلينَ! وإلى مجلسِهِ جاء الأقرعُ بنُ حابسٍ، وفي المجلسِ الحسنُ بنُ عليٍّ، طفلٌ صغيرٌ يلعبُ، فأخذَهُ النبيُّ ﷺ وقبَّلَهُ،
فقال له الأقرعُ: إنَّ لي عشرةً من الولدِ ما قبَّلتُ أحدًا منهم قطّ!
فقال له النبيُّ ﷺ: من لا يَرحمْ لا يُرحمْ!
إنَّ من عدلِ اللهِ سبحانهُ أنّه جعلَ الجزاءَ من جنسِ العملِ؛ جزاءُ الخيرِ خيرٌ مثلُهُ، وجزاءُ الشَّرِّ شرٌّ مثلُهُ!
ما غرقَ فرعونُ إلّا لأنَّه كان يقولُ: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾! فأجرى اللهُ تعالى ماءَ البحرِ من فوقِهِ!
وإخوةُ يوسفَ الذين ألقوهُ بأيديهم في الجُبِّ، مدُّوا أيديهم بعد ذلك يستعطونه لمّا صارَ عزيزَ مصرَ!
وإنَّ الشَّهيدَ لا يُفتنُ في قبرِهِ لأنّ بارقةَ السُّيوفِ تكفيهِ فتنةً!
وإنَّ أوّلَ المخلوقاتِ يُكسى يومَ القيامةِ إبراهيمُ عليه السلام، ذلك لما أكلتِ النّارُ التي أُلقِيَ فيها من ثيابِهِ!
هذه الدُّنيا تدورُ، وكلُّ ساقٍ سيُسقى من الكأسِ التي سقى منها غيرَهُ؛ إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ!
كلُّ صدقةٍ تضعُها في يدِ فقيرٍ هي حِفظٌ لكَ أن تقفَ ذاتَ يومٍ تمدُّ يدكَ وتطلبَ الصَّدقةَ من أحدٍ!
كلُّ مريضٍ أنفقتَ في علاجِهِ هو حصانةٌ أن يُصيبكَ ذلك المرضُ!
كلُّ دمعةٍ مسحتَها بيدِكَ هي يدٌ تُخبِّئُها للزَّمنِ إن جَرَتْ يومًا دمعتُكَ!
كلُّ يدٍ مساعدةٍ أقمتَ بها متعثِّرًا هي يدٌ تُخبِّئُها للغدِ، إن تعثَّرتَ وجدتَ من يُقيمُكَ!
كلُّ مظلومٍ أعنتَهُ هو جنديٌّ تُخبِّئُهُ للغدِ يُعينُكَ إن ظُلِمتَ يومًا!
كلُّ كلمةٍ طيّبةٍ قلتَها في غيابِ أحدٍ هي كلمةٌ طيّبةٌ سيقولُها أحدٌ عنكَ في غيابِكَ!
كلُّ عِرضٍ دافعتَ عنه كأنّهُ عِرضُكَ هو عِرضُكَ الذي تحميهِ في المستقبلِ إن أرادَ أحدٌ أن ينالَ منهُ!
حتّى الدُّعاءَ للميّتِ هو دُعاءٌ لكَ تُخبِّئُهُ حين تموتُ؛ فكلّما رفعتَ يدكَ تدعو لميّتٍ سيجعلُ اللهُ من يرفعُ يدَيْهِ ليدعوَ لكَ وأنتَ ميّتٌ!
لا أحدَ أحفظُ للمعروفِ من اللهِ؛ أما رأيتَ كيف أرسلَ نبيًّا ووليًّا صالحًا ليُقيما جدارَ غلامينِ يتيمينِ لأنَّ أباهُما كان صالحًا؟!
لا يخرجُ المرءُ من مجالسِ الرحمةِ كما دخلها؛ تخرجُ القلوبُ أخفَّ، والنفوسُ ألينَ، والأيدي أكثرَ ميلًا للعطاء. نتعلّمُ أنَّ الرحمةَ ليست خُلُقًا زائدًا عن الحياة، بل هي قانونُها الأعدل، وأنَّ ما نزرعه في الناس يعودُ إلينا وإن طال الطريق. في مدرسةِ النبيِّ ﷺ تعلّمنا أنَّ القلبَ الذي يَرحمُ لا يَضيع، وأنَّ المعروفَ لا يَغيب، وأنَّ اللهَ لا يُضيعُ دمعةً صادقةً، ولا يدًا امتدّت بالخير، ولا قلبًا اختار أن يكون رحيمًا في عالمٍ قاسٍ!