مشاركات سوريا
يُحكى عن عملاق ذي عين واحدة، كان يرى الأشياء بوضوح حاد، لكنه يعجز عن تقدير المسافات والأبعاد. منحته عينه ثقة كبيرة بما يرى، حتى ظن أن العالم ينتهي عند حدود بصره.
لعل في الحكاية شيئًا من علاقتنا بسوريا؛ فكل منا يحمل صورتها في رأسه، ويقيس حاضرها بما عاشه أو فقده أو انتظره منها، حتى تتحول التجربة الشخصية إلى ميزان نحاكم به البلاد كلها، كأن ما غاب عن أعيننا غائب عن الوجود.
تتصدر الأخبار قرارات حكومية واتفاقيات استثمارية ووعود بالتعافي، بينما تقيس عائلات كثيرة يومها بموعد وصول المياه، وعدد ساعات تقنين الكهرباء، وثمن ما تستطيع وضعه على المائدة.
فالقرار الذي يبدو ناجحًا في بيان رسمي قد يبدو مختلفًا عند من ينتظر أثره في حياته، والإنجاز الذي تحتفي به الأرقام قد يفقد بريقه أمام راتب يتبخر قبل نهاية الشهر.
يُعلن عن سلسلة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع دول وشركات كبرى، وتتحدث وسائل الإعلام عن مشاريع واعدة في الطاقة والموانئ والعقارات، لكن المواطن الذي ينتظر تحسنًا حقيقيًا في ساعات الكهرباء أو فرصة عمل مستقرة قد لا يرى بعد أثرًا ملموسًا لتلك الإعلانات.
ولسعر الصرف ومعدلات الفقر والبطالة أهميتها، غير أن الأرقام تبقى ناقصة ما لم تُترجم إلى واقع الناس، كما تبقى الحكايات الفردية بحاجة إلى بيانات تمنعنا من تعميمها.
وتتسع هذه الفجوة حين ننظر إلى سوريا من أماكن مختلفة. فالسوري المقيم في الخارج يرى بلاده من خلال الأخبار، ومن ذاكرة تحمل تفاصيل ربما لم تعد موجودة، فيما يراها المقيم من قلب تفاصيلها اليومية.
لا شك أن المسافة تمنح صاحبها قدرة على المقارنة، لكنها تحرمه من بعض تفاصيل الحياة اليومية؛ ويمنح القرب من الواقع صاحبه معرفة مباشرة، لكنه قد يحصر نظره فيما يواجهه كل صباح.
لكل منهما معرفة تنقصها معرفة الآخر، وتكتمل الصورة حين يتبادلانها بدل أن يتباريا في إثبات أيهما أحق بفهم البلاد.
ولماضي الإنسان أيضًا دوره في هذه المعادلة. فمن عاش الخوف والإقصاء والوعود الكاذبة قد يستقبل كل قرار جديد بريبة صنعتها تجاربه السابقة مع النظام البائد، ومن تعلق بأمل التغيير قد يرى في كل خطوة صغيرة بداية للخلاص.
الذاكرة ضرورية كي لا ننسى ما حدث، لكنها تتحول إلى عبء حين تصبح حكمًا مسبقًا على كل ما يحدث الآن. عندها تبدو الوقائع نفسها مختلفة باختلاف الجهة التي ننظر منها.
وهكذا تنقسم الصورة بين من يرفض كل ما يصدر عن الدولة، ومن يجد لكل خطأ صادر عنها تبريرًا جاهزًا.
وما بين المقيم والمغترب، وبين الذاكرة والحاضر، يظهر من يحاول أن يجمع الطرفين، فيجد نفسه عالقًا في منطقة رمادية لا ترضي أحدًا.
يرى التقدم في بعض الملفات ولا يستطيع إنكاره، ويرى في الوقت نفسه أن هذا التقدم لم يصل بعد إلى من ينتظره في الشارع. فيصير صوته غريبًا على الطرفين: يُتهم بالسذاجة من جهة، وبالتشاؤم من جهة أخرى.
كان العملاق يظن أن عينه الواحدة تكفيه؛ لأن ما يراه يبدو له كاملًا. وربما كانت تلك حيلته الكبرى على نفسه؛ فلم يكن يجهل ما يقع خارج مجال بصره فحسب، بل كان يجهل أنه يجهله أيضًا.
سوريا أوسع من أن تختصرها ذاكرة واحدة أو رواية واحدة. وكلما توهم أحدنا أنه أحاط بها، بقيت في الجهة التي لا ينظر إليها تفاصيل كثيرة وحياة مختلفة.
قد تكون البلاد أقل غموضًا مما نظن، وربما نحن الذين اعتدنا النظر إليها من الزاوية التي نعرفها، ثم سمّينا ما رأيناه الوطن كله.

