مشاركات سوريا
الكاتبة: دينا تايه
أخطر أعداء الإنسان ليس الشيطان، ولا المخدرات، ولا كل ما اعتدنا أن نضعه في خانة الأخطار، بل الجهل؛ حين يتحوّل من نقص في المعرفة إلى عجز عن إدراك قيمة الأشياء، ومن غياب للوعي إلى اعتداء على الرموز الوطنية والشهداء، وحين يصبح الإنسان مستعدًا للتخلي عن كرامته وذاكرته في سبيل خصومة عابرة.
في دمشق، لم تمرّ مباراة كرة السلة التي جمعت ناديَي الكرامة والوحدة، يوم 20 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بوصفها مواجهة رياضية عادية. فقد أثارت هتافات مرتبطة باسم الشهيد عبد الباسط الساروت جدلًا واسعًا. واستنكر نادي الكرامة ما وصفه بالإساءة إلى الساروت، فيما نفى نادي الوحدة أن تكون الهتافات قد تضمنت انتقاصًا منه، وأُعلن عن تشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات ما جرى.
وبعيدًا عن نتيجة المباراة، يبقى السؤال الأهم: كيف تتحوّل الرياضة من مساحة للتنافس إلى ساحة للصراع على الذاكرة والرموز الوطنية؟ وكيف يمكن أن تصل الخصومة بين جماهير فريقين إلى نقطة تتداخل فيها الهتافات مع ذاكرة شعب عانى سنوات من القمع والقتل والتهجير؟
لم يكن عبد الباسط الساروت مجرد اسم عابر في المشهد السوري. كان حارس مرمى سابقًا، ثم أصبح أحد أبرز الأصوات المرتبطة بالثورة السورية والاحتجاجات المناهضة لنظام بشار الأسد، واشتهر بأهازيجه وهتافاته التي رافقت بدايات الثورة.
استشهد الساروت في حزيران/يونيو 2019، لكن الشهادة ليست نهاية الحكاية. فالساروت لا يسكن ذاكرة السوريين وحدهم، بل ذاكرة كل من يؤمن بالحرية ويرفض الظلم، ويعرف أن الأوطان لا تُبنى بالنسيان، وأن الذين دفعوا أعمارهم ثمنًا لمواقفهم لا يغيبون بموتهم، بل يتحولون إلى جزء من ضمير الشعوب.
قد يختلف السوريون في قراءة تاريخ الثورة وشخصياتها، وقد تتباين مواقفهم السياسية والرياضية، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يتحوّل إلى ذريعة لإهانة الشهداء أو تسفيه آلام ذوي الضحايا.
فالذاكرة الوطنية ليست ملكًا لنادٍ، ولا حكرًا على جمهور، ولا ينبغي أن تصبح أداة لتصفية الحسابات بين المشجعين. كما لا يجوز تحويل أسماء الشهداء إلى وسائل للاستفزاز أو إعادة إنتاج الانقسامات التي أنهكت المجتمع السوري.
إن الإساءة إلى الشهيد عبد الباسط الساروت، إن ثبتت، تتجاوز حدود الخصومة الرياضية وتمسّ ذاكرة شعب دفع أثمانًا باهظة في سبيل حريته وكرامته. فحرية الاختلاف لا تعني إباحة إهانة الشهداء، والتنافس الرياضي لا يمنح أحدًا الحق في تحويل آلام الناس إلى وسيلة لتصفية الحسابات.
ومن حق السوريين رفض أي إساءة من هذا النوع والتعبير عن غضبهم منها، كما يحق لهم المطالبة بالتحقيق والمحاسبة وفق ما تثبته الوقائع، حتى لا تتحوّل الملاعب إلى مساحات لإعادة إنتاج الانقسامات والعداوات التي أنهكت سوريا سنوات طويلة.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات الخارجة من سنوات الصراع ليس اختلاف أبنائها؛ فالاختلاف جزء من الحياة، وإنما أن تفقد قدرتها على إدارة هذا الاختلاف من دون تحقير بعضها بعضًا، أو تحويل الشهداء إلى أهداف في معارك لا تنتهي.
وهنا لا بد من التمييز بين النقد المشروع والتحريض الذي يستهدف الذاكرة والكرامة الإنسانية، وبين الاختلاف في تقييم الشخصيات والأحداث وبين تحويل هذا الاختلاف إلى إساءة للضحايا أو تبرير للجرائم.
تخيّلوا أن يصل الجهل ببعض الناس إلى شتم الشهيد عبد الباسط الساروت، أو أي شهيد آخر، بسبب خصومة بين فريقين. أإلى هذا الحد يمكن أن تصبح مباراة كرة سلة أهم من تاريخ شعب وتضحيات أبنائه؟ وإلى أي مدى يستطيع الجهل أن يعمي بصيرة الإنسان، حتى يتعامل مع تضحيات السوريين وكأنها مجرد تفصيل في خلاف عابر؟
هنا ندرك أن الجهل لا يكمن فقط في ألّا نعرف، بل في أن نرفض معرفة الحقيقة، وأن نسمح لخصومة عابرة بأن تصبح أقوى من إنسانيتنا. فهو لا يغيّب العقل فحسب، بل قد يجرّد صاحبه من أبسط معاني الوفاء والمسؤولية، ويحوّل الاختلاف إلى عداوة، والرياضة إلى مناسبة لاستحضار أحقاد لا علاقة لها بروح المنافسة.
أما عبد الباسط الساروت، شهيدنا ورمز من رموز الثورة السورية، فإن هذه الإساءات لا تختزل تاريخه، ولا تنال من تضحياته، ولا تمحو مكانته في ذاكرة محبيه.
نم قرير العين يا ابن الثورة؛ رحمك الله وأسكنك فسيح جناته، مع جميع شهداء سوريا الذين دفعوا أرواحهم ثمنًا لما آمنوا به.
فالجهل قد يشوّه الوعي، لكنه لا يستطيع أن يمحو التاريخ، ولا أن ينتزع من الشهداء مكانهم في ذاكرة الشعوب.