مشاركات سوريا

ما بعد الأسد.. هل تحرر النفط السوري من اقتصاد الظل؟

أكتوبر 19, 2026

ما بعد الأسد.. هل تحرر النفط السوري من اقتصاد الظل؟

لم يكن بشار الأسد، ولا أبوه حافظ الذي سبقه إلى اغتصاب الحكم، حارسين على ثروات السوريين، بل كانا على رأس منظومة جعلت من الدولة غنيمة، ومن الاقتصاد شبكة مصالح، ومن المال العام موردًا مفتوحًا أمام أصحاب النفوذ.

لم تكن المأساة أن سوريا تفتقر إلى الثروات، بل أن ثرواتها أُديرت بعيدًا عن حق السوريين فيها، فيما دُفع هؤلاء إلى تحمّل الفقر والحرمان، وكأن عليهم أن يدفعوا ثمن بقائهم في وطن يملكونه، ولا يملكون القرار فيما ينتجه.


لكن إسقاط هذه المنظومة لا يعني أن آثارها سقطت معها تلقائيًا، ولا أن تغيير رأس السلطة يكفي لتطهير المؤسسات من الأساليب التي استُخدمت فيها لعقود. فالفساد ليس مجرد أموال تُسرق في الخفاء، بل عقلية ترى المنصب فرصة، والعقد بابًا للنفوذ، والمال العام تفصيلًا لا يستحق أن يُسأل أحد عن مصيره.


والخطر أن تنتهي سلطة الأسد فيما تبقى بعض قواعد اقتصادها حية؛ تتبدل الوجوه التي تديرها، وتظل الثروة بعيدة عن أعين أصحابها.


أقول ذلك لأنني أريد لسوريا الجديدة أن تنجح، لا لأنني أبحث عن ثغرة أهاجمها منها. ومن حق السوريين الذين أسقطوا الخوف وفتحوا الطريق إلى التغيير أن يسألوا عما يجري في مؤسساتهم، ومن واجب كل من يطمح إلى بناء دولة مختلفة ألّا يتعامل مع هذه الأسئلة باعتبارها خصومة سياسية.


فالولاء لسوريا لا يُقاس بالصمت عن الخلل، بل بالإصرار على ألّا تعود البلاد إلى زمن كانت فيه المحاسبة امتيازًا للسلطة، فيما كان المواطن آخر من يعلم وأول من يدفع الثمن.


لهذا، فإن ملف النفط ليس تفصيلًا إداريًا ولا سجالًا عابرًا حول أسماء غادرت مناصبها وأخرى تسلّمتها. إنه اختبار حقيقي لمعنى القطيعة مع منظومة الأسد: هل تصبح ثروة البلاد حقًا عامًا تُدار عقودها بشفافية، وتُراجع نفقاتها، وتُكشف نتائج التحقيقات فيها، أم يبقى اقتصاد الظل قادرًا على التكيف مع كل مرحلة؟


لقد سقط الأسد، لكن السؤال الذي يهم السوريين اليوم هو: هل سقطت معه القواعد التي جعلت من ثرواتهم غنيمة؟



تغيير الرئيس لا يكفي

في الثامن عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2026، صدر المرسوم الرئاسي رقم 190 بتعيين ماهر خليل الحسن رئيسًا تنفيذيًا للشركة السورية للبترول، خلفًا ليوسف قبلاوي.


وجاء التغيير فيما كان قطاع المحروقات يواجه أسئلة متراكمة بشأن العقود وآليات الرقابة وأزمة البنزين غير المطابق للمواصفات. لكن مغادرة مسؤول ووصول آخر لا تصلح، بحد ذاتها، دليلًا على معالجة الخلل؛ فالمناصب تتغير بقرار، أما الثقة فلا تُستعاد إلا بالأفعال والنتائج.


والمشكلة أعمق من اسم الرئيس التنفيذي. فعندما تُثار أسئلة حول عقود بمبالغ كبيرة، وتعلن الجهات الرقابية أنها تدقق في تنفيذ شروط تعاقدية، يصبح المطلوب من الإدارة الجديدة أكثر من إصدار الوعود أو إطلاق عبارات الحزم في مواجهة الفساد.


المطلوب أن يعرف السوريون ما الذي جرى، وأين ظهرت المخالفات إن ثبتت، ومن يتحمل المسؤولية، وما الإجراءات التي ستمنع تكرارها. أما الاكتفاء بتغيير المسؤول، ثم مطالبة الناس بطي الصفحة، فليس إصلاحًا، بل تأجيل للأسئلة التي يفترض أن تكون في صلب عمل المؤسسة.


وليس من الإنصاف إدانة أشخاص قبل انتهاء التحقيقات، لكن من غير المقبول أيضًا أن تتحول هذه القاعدة القانونية إلى ذريعة لإبقاء الملفات في الظل.


فالفرق كبير بين عدم التشهير بأحد قبل ثبوت مسؤوليته، وبين تعطيل حق الناس في معرفة ما يجري في مؤسسة تدير موردًا وطنيًا. وقد أكدت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش أن التحقيقات المتعلقة بعدد من عقود قطاع النفط تتناول ملاحظات على تنفيذ بعض شروطها، وأن المسؤولية تُحدَّد وفق ما تثبته التحقيقات.


وهنا يبدأ امتحان ماهر الحسن؛ لا من قدرته على شغل المنصب، بل من استعداده لفتح الملفات ومتابعة نتائجها، والتعاون مع الجهات الرقابية، وضمان ألّا تتحول العقود العامة إلى مناطق محصّنة من السؤال.


لا أطلب منه إدانة سلفه، ولا إصدار أحكام تحت ضغط الرأي العام، بل أن يجعل الحقيقة، لا السمعة ولا العلاقات ولا الحسابات الإدارية، هي الفيصل.


فإذا كان تغيير الرئيس التنفيذي خطوة نحو الإصلاح، فإن قيمتها الحقيقية ستُقاس بما سيُكشف ويُصحَّح، لا بمجرد صدور قرار التعيين.


عقود بمئات الملايين

ثمة فارق كبير بين أن نعلن القطيعة مع الفساد، وأن نثبت هذه القطيعة في الطريقة التي تُدار بها ثروات البلاد.

فالشعارات، مهما كانت جذابة، لا تحمي المال العام، والنوايا الحسنة لا تكفي وحدها لتبرير العقود والدفعات المقدمة. ما يحمي ثروة السوريين هو أن تكون القرارات واضحة، والمعايير معلنة، والنتائج قابلة للمراجعة والمحاسبة.


ولعل ما نشرته صحيفة «زمان الوصل» عن عقد بقيمة 12.3 مليون دولار مع شركة «تعزيز الخدمات البترولية»، وعقد آخر بقيمة 184.8 مليون دولار لإنشاء خزانات نفطية في بانياس وطرطوس، يوضح حجم الأسئلة التي ينبغي ألّا تُترك معلقة.


فقد أشار التقريران إلى دفعات مقدمة كبيرة، وأثارا تساؤلات بشأن آليات التعاقد، وخبرة الشركات، والضمانات المرتبطة بالتنفيذ. وهذه مسائل لا يجوز القفز فوقها، كما لا يجوز تحويلها إلى اتهامات محسومة قبل اكتمال التحقيقات.


وفي المقابل، أوضحت الشركة السورية للبترول، في رد نقلته وكالة «سانا»، أن العقود تختلف في ظروفها وإجراءات إبرامها، وأن بعض التعاقدات التي وُصفت بأنها بالتراضي شهدت طلب عروض ومنافسة.

وهذا الرد ينبغي أن يُؤخذ في الحسبان، لكنه لا يعفي المؤسسة من تقديم ما يبدد الشكوك ويضع الوقائع أمام السوريين.


وثمة سؤال أهم من الجدل حول أسماء الشركات: هل تستطيع المؤسسة أن تشرح للرأي العام لماذا اختارت هذا المتعاقد دون غيره؟ وكيف حُدّدت قيمة العقد؟ وما الضمانات التي تحمي الأموال المدفوعة؟ وما الذي تحقق فعليًا على الأرض؟


إذا كانت الإجابات موثقة، فإن نشرها يعزز الثقة. وإذا كشفت التحقيقات عن مخالفات، فإن إخفاءها أو الالتفاف عليها لن يحمي الدولة، بل سيضر بصدقيتها.

لقد دفع السوريون ثمنًا باهظًا كي يستعيدوا حقهم في بلدهم، وليس من المنطقي أن يُطلب منهم اليوم أن يثقوا بلا سؤال. فالقطيعة الحقيقية مع اقتصاد الظل لا تبدأ بإعلان الحرب على الفساد، بل بجعل كل عقد عام قابلًا للمساءلة، وكل مبلغ من المال العام قابلًا للتفسير.



الأرقام التي تنتظر الحسم

لا يحتاج السوريون إلى أرقام صادمة بقدر ما يحتاجون إلى إجابات واضحة. فالإعلان عن ملايين الدولارات الخاضعة للتحقيق يلفت الانتباه، لكن قيمته الحقيقية لا تظهر في حجم المبلغ، بل في معرفة ما جرى، وكيف حدث، ومن يتحمل المسؤولية إذا ثبتت المخالفات.


في أيلول/سبتمبر، أعلنت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش الحجز الاحتياطي على أموال بقيمة تقارب 104 ملايين دولار في ملفات مرتبطة بشركات متعاقدة مع الشركة السورية للبترول.


وهذا الرقم لا يعني أن المبلغ اختُلِس وثبتت سرقته، بل يشير إلى أموال شملها إجراء تحفظي في سياق التحقيقات.

وفي ملف منفصل، تحدثت «الجزيرة» عن أضرار أولية تجاوزت 8 ملايين دولار في حقول دير الزور، وفروق أسعار في عقود نقل النفط قُدّرت بنحو 20 مليون دولار، إلى جانب إجراءات طالت تسعة مسؤولين وأحالتهم إلى القضاء.

وتبقى هذه الأرقام مرتبطة بالملفات التي وردت فيها، ولا يصح جمعها أو التعامل معها كأحكام نهائية قبل التحقق من تفاصيلها.


ما أريده من هذه التحقيقات والتقارير ليس مشهدًا إعلاميًا ينتهي بانتهاء الضجة، بل نتائج يعرف السوريون من خلالها ما ثبت وما لم يثبت، وما أمكن استرداده من المال العام، وما الإجراءات التي ستمنع تكرار الخلل.

فالفساد لا يُهزم بكشف الأرقام وحده، بل بمحاسبة عادلة لا تستثني أحدًا، واستعادة كل حق يثبت أنه أُهدر.



حين يدفع المواطن الثمن

أسوأ ما يمكن أن يحدث حين يختل أداء مؤسسة عامة هو أن تبقى أسباب الخلل داخل مكاتبها، بينما يتحمل المواطن كلفته من جيبه ووقته وأعصابه.


وهذه بالضبط النقطة التي تجعل ملف النفط أكبر من خلاف على عقد أو نقاش حول كفاءة إدارة؛ فالمحروقات ليست أرقامًا في دفاتر الشركة السورية للبترول، بل جزء من الحياة اليومية للسوريين، وأي خلل في إدارتها قد يتحول إلى عبء مباشر عليهم.


في 13 تشرين الأول/أكتوبر، أعلنت وزارة الطاقة نتائج التحقيق في أزمة البنزين التي تسببت بأضرار لمركبات مواطنين.


وقالت الوزارة إن شحنة مخالفة للمواصفات كانت قد أُفرغت في مستودعات الشركة، وإن خطأً تشغيليًا وقع أثناء إعادة ترحيلها عبر الأنابيب، ما أدى إلى اختلاطها ببنزين مطابق ووصول جزء من الخليط إلى السوق.


كما أعلنت اتخاذ إجراءات قانونية بحق المسؤولين عن الخطأ والتقصير، وتكليف الشركة وضع آلية لتعويض المتضررين.

وتضعنا هذه الواقعة أمام سؤال يتجاوز تحديد الخطأ الفني: كيف وصلت مادة غير مطابقة إلى مسار تشغيلي انتهى بتضرر سيارات المواطنين؟ وأين كانت إجراءات الرقابة التي يفترض أن تمنع انتقال الخلل من المستودعات إلى السوق؟



لا أرى مبررًا لاستباق التحقيق في مسؤولية أشخاص بعينهم، لكن من حق المتضررين الحصول على تعويض واضح، ومن حق الجميع معرفة الإجراءات التي ستمنع تكرار ما حدث.

فالمواطن الذي يدفع ثمن الوقود لا ينبغي أن يدفع، فوق سعره، ثمن أخطاء المؤسسة التي تبيعه إياه.

وإذا كانت الدولة تريد بناء ثقة مختلفة مع السوريين، فإن هذه الثقة تبدأ من حماية حقوقهم، ومصارحتهم بالأخطاء، وتصحيحها فعليًا، لا الاكتفاء بالإعلان عن اكتشافها بعد أن تصل أضرارها إلى الناس.



الثروة حق السوريين

لا تُقاس القطيعة مع منظومة الأسد بتغيير المسؤولين وحده، بل بتغيير القواعد التي سمحت للمال العام بأن يصبح عرضة للعبث والفساد.


والمطلوب اليوم ليس شعارات جديدة، بل نتائج واضحة: عقود شفافة، ورقابة فعالة، وتحقيقات تُعلن خلاصاتها، ومحاسبة لا تستثني أحدًا إذا ثبتت مسؤوليته.

لا أريد لسوريا الجديدة أن ترث أمراض المنظومة التي أسقطها السوريون، بل أن تنجح في بناء دولة تحمي ثرواتهم وتصون حقوقهم.


فالنفط ليس ملكًا لمسؤول أو شركة، بل ثروة وطنية يفترض أن تنعكس على حياة الناس ومستقبلهم.

لقد استعاد السوريون بلدهم، ومن حقهم اليوم أن يستعيدوا ثرواتهم أيضًا؛ فالثورة التي أسقطت احتكار السلطة لا تكتمل إلا بإنهاء احتكار المال العام.

شارك

مقالات ذات صلة