تأملات

هذه صَفِيَّةُ بنتُ حُيَيٍّ!

أكتوبر 11, 2026

هذه صَفِيَّةُ بنتُ حُيَيٍّ!

العظمةُ ليست في سلامةِ السَّريرةِ وحدَها، بل في حِراسةِ القلوبِ من مواطنِ الشكِّ قبلَ أن تخطرَ، وفي قطعِ الطريقِ على الظُّنونِ وهي ما تزالُ فكرةً لم تولد.

وفي مدرسةِ النبوّةِ لم يكنِ الطُّهرُ اعتمادًا على حسنِ الظنِّ فقط، بل وعيًا بطبيعةِ النَّفسِ، ومعرفةً بدروبِ الشيطانِ الخفيّةِ، ورحمةً بالنّاسِ من أن يُبتلَوا بما لم يقصدوه، ولا أرادوه، ولا يليقُ بقلوبِهم. ومن هذا الفهمِ العميقِ للإنسانِ نقرأُ موقفًا يُعلِّمُنا أنَّ صيانةَ السُّمعةِ عبادةٌ، وأن درءَ الشُّبهةِ خُلُقٌ، وأنَّ الوقايةَ من السُّوءِ أسبقُ من علاجِه!

تُحدِّثُنَا أُمُّنا صَفيّةُ بنتُ حُييٍّ رضي الله عنها قالتْ: كان رسولُ اللهِ ﷺ مُعتكفًا في المسجدِ، فأتيتُه أزورُه ليلًا، فحدَّثتُه، ثم قمتُ لأنصرفَ، فقامَ معي ليُوصِلَني، فمرَّ رجلانِ من الأنصارِ، فلمّا رأيَا النَّبيَّ ﷺ أسرعا.

فقالَ لهما: على رِسْلِكما، هذه صَفيّةُ بنتُ حُييٍّ!

فقالا: سبحانَ اللهِ يا رسولَ الله! يُريدانِ أن يقولا: وهل أنتَ موضع شكٍّ يا رسولَ الله؟!

فقالَ: إنَّ الشيطانَ يجري من الإنسانِ مجرى الدَّمِ، وإنّي خشيتُ أن يقذفَ في قلوبِكما سوءًا!

موقفانِ عظيمانِ تأمَّلْهما:

الأوّلُ: المدينةُ أمانٌ، ولو عادتْ صَفيّةُ وحدَها في اللَّيلِ ما تعرَّضَ لها أحدٌ، ولكنَّ النَّبيَّ ﷺ يقطعُ اعتكافَه، ويقومُ ليُوصِلَها إلى بيتِها. هو يعرفُ أنّها تعرفُ الطَّريقَ، وإنّما أرادَ أن يقولَ لها: أنا أهتمُّ!

أحيانًا ليس عليكَ أن تقولَ لها: أُحبُّكِ؛ فثمّة مواقفُ صغيرةٌ، وتفاصيلُ حياتيّةٌ عاديّةٌ، أبلغُ من ألفِ كلمةِ «أُحبُّكِ».

هل جرَّبتَ أن تضعَ لُقمةً في فمِها، أو تُمسِكَ يدَها وأنتَ تعبرُ بها الشّارعَ، أو تخلعَ سترتَك وتضعَها على كتفَيها في ليلةٍ باردةٍ؟

ثمّة أشياءُ لا تُكلِّفُك الكثيرَ، ولكنَّها تعني لها كثيرًا!

الثاني: رغم أنّه فوقَ الشُّبهاتِ، وأنّه نقيٌّ كماءِ زمزمَ، وتقيٌّ كما لم يسبقْ لإنسانٍ أن يكونَ بتقواه، إلّا أنّه يستوقفُ الرَّجلينِ ويُخبرُهما أنّ هذه المرأةَ التي معه هي زوجتُه صَفيّةُ رضي الله عنها. أرادَ أن يُعلِّمَنا أنّ الإنسانَ لا يكفي ألّا يفعلَ الحرامَ، وإنّما ألّا يضعَ نفسَه في موضعٍ يُظَنُّ منه أنّه واقعٌ في الحرامِ.

لا تُلقِ نفسَك في مواطنِ الشُّبهاتِ كي لا يرميكَ النّاسُ بسوءِ الظَّنِّ؛ فطبيعةُ النَّفسِ البشريّةِ أن تحملَ المواقفَ البشريّةَ على الظَّنِّ السَّيّئِ.

فعلى سبيلِ المثالِ: لا تجلسْ على مائدةٍ يُدارُ عليها الخمرُ ولو كنتَ تريدُ أن تنصحَ؛ لأنّ الذي يراكَ لن يشكَّ لحظةً أنّك لا تشربُ معهم!

للنُّصحِ وقتُه ومجالُه.

وبالمقابلِ، تخلَّ عن ظنِّك السَّيِّئ بالنّاسِ؛ فمَن تكلَّمَ مع فتاةٍ ليستْ بالضرورةِ حبيبتَه، والرِّوايةُ التي ألَّفتَها في رأسِك قد يكونُ الشيطانُ هو الذي أملاها عليك!

كلُّ شخصٍ رأيتَه يُحادِثُ عاصيًا ليس بالضرورةِ مثلَه!

الحياةُ أحيانًا كالسُّوقِ؛ قد يجتمعُ فيه اثنانِ لا علاقةَ لأحدِهما بالآخرِ، ودكّانُ البنادقِ يُشترى منه بنادقُ للصَّيدِ وبنادقُ للقتلِ، فلا تدخلْ في نوايا النّاسِ!

يجتمعُ في هذا الموقفِ خُلُقانِ عظيمانِ لا يكتملُ أحدُهما دون الآخرِ: درءُ الشُّبهةِ، وحُسنُ الظَّنِّ.

فالحكمةُ أن نحمي أنفسَنا من مواطنِ الرّيبةِ قبلَ أن تُصابَ القلوبُ بالظُّنونِ، والعدلُ أن نُنزِّه قلوبَنا عن إساءةِ التَّأويلِ قبلَ أن نُسيءَ إلى النّاسِ. ومن فهمَ هذا الميزانَ عاشَ سليمَ الصَّدرِ، مأمونَ الجانبِ، لا يُؤذي ولا يُؤذى، وجعلَ من أخلاقِ النبوّةِ طريقًا لحياتِه، يحفظُ به سُمعتَه، ويصونُ به قلوبَ غيرِه، ويغلقُ أبوابَ الشَّرِّ من الطَّرفينِ!

شارك

مقالات ذات صلة