سياسة
عصماء الصليبي
كل احتلال يتضمن استيلاءً، لكن ليس كل استيلاء احتلالاً، لم يكن الجولان مجرد أرضٍ استولى عليها الجيش الإسرائيلي، بل أرضاً احتُلّت واقتُلع أهلها منها. وحاول الاحتلال أن يفرض عليها واقعاً جديداً وينسبها إلى دولة لا وجود لها في جغرافيا ذاكرتنا السورية، ولا في حكايات أجدادنا عن أرضهم. وبالرغم من كل الأسلاك الشائكة وحقول الألغام التي وُضعت لتفصلنا عن جولاننا، لم يستطع الاحتلال أن يفصل الجولان عن ذاكرة الشعب السوري. لكن بعد سقوط نظام الأسد الفاشي يعود سؤال ظلّ مؤجلاً لعقود إلى الواجهة من جديد، ما مصير الجولان الآن؟ وهل يستطيع الشعب السوري أن يستعيد يوماً أرضه التي بقيت حاضرة في ذاكرته؟ وهل تتحول أمنية استعادة الجولان من حلمٍ تتوارثه الأجيال إلى واقعٍ تكتبه سوريا الجديدة؟
ذاكرة أرض الجولان تزعم الرواية الإسرائيلية أن لليهود جذوراً تاريخيّة في الجولان تمنحهم حق احتلالها وأخذها عنوة من الخارطة السورية، لكن إذا ما عدنا إلى الوراء إلى قبل الميلاد وجدنا أن هناك شعباً يدعى “الشعب الإيطوري” وهو من الشعوب الأوائل التي سكنت في الجولان، والإيطوريون هم جماعة تُنسب إلى أصل عربي على حسب الدراسات. وعلى هذه الهضاب تعاقبت شعوب وحضارات عدة منذ العصور القديمة. وفي العهد الإسلامي، ولا سيما في العصر الأموي ازدهر الجولان آنذاك إذ أصبحت مركزاً تجارياً مهماً لتموين دمشق وظل ملتقى الطرق التجارية. ولم تكن فكرة الاستيطان اليهودي في الجولان وليدة عام 1967، إذ ظلت الجولان في فكر اليهود، فقد شهدت المنطقة أواخر القرن التاسع عشر محاولات للاستيطان اليهودي ولكنها أُحبطت بسبب رفض السكان العرب، وتلاها عدة محاولات بالاستيطان، باءت بالفشل. ثم جاء القرن العشرون محمّلاً بخرائط جديدة، ترسمها القوى المنتدبة بعد سقوط الدولة العثمانية. حيث تغير فيها موقع الجولان عدة مرات. ثم أصبح فيما بعد جزءاً من سوريا مع انتهاء الانتداب الفرنسي واستقلال البلاد، وفي عام 1948 تحولت الجولان إلى جبهة قتال دائمة، إذ دخلت إسرائيل حرباً مع الجيش السوري.
سقوط الهضبة عندما بدأت الحرب مع إسرائيل على الجولان، أودع حافظ الأسد غالبية الضباط الأكفاء وأبناء الجبهات في السجون وعيّن مكانهم ضباطاً بعثيين لم يكونوا من أصحاب الخبرة الجبهية الكافية ولا يفقهون في الأمور العسكرية شيئاً، الأمر الذي أدى إلى اتخاذ قرارات عسكرية فاشلة من بينها الانتقال من شمال الجولان، التي كانت أكثر صلابة ومتانة، إلى جنوبه بحجة أن الجنوب أكثر أماناً، مما أتاح للإسرائيليين اختراق الجولان من الشمال. وكان من الأفضل البقاء في الجهة الشمالية، حتى لا يجد الإسرائيليون ثغرة تمكنهم من التقد، ونتيجة لذلك، تم تسليم آخر منطقة في الجولان من قبل رئيس الأركان عام 1967. ومع تثبيت الاحتلال الإسرائيلي للجولان، طردت إسرائيل جميع سكان الجولان من أرضهم وبيوتهم، وهدمت جميع القرى التي كانت قائمة فيها، باستثناء القرى الدرزية التي حافظت إسرائيل على وجودهم في الجولان وأبقتهم فيه، ظناً من الإسرائيليين أنها ستكون تابعة لهم ومؤيدة لاحتلالهم. إلا أن ذلك لم يتحقق، إذ ظهر لهم فيما بعد أن الغالبية العظمى من أبناء الطائفة الدرزية أبت الحصول على الجنسية الإسرائيلية، وتمسكت بهويتها السورية، وأصبحوا فيما بعد يحملون بطاقة احتلال. ولم تنتهِ مأساة الجولانيين عند التهجير وحسب، فقد وجد الآلاف منهم أنفسهم في العراء، إذ لم تكن لدى السلطة خطة واضحة لإيوائهم، إلى جانب ضعف الاستجابة الرسمية لهم، وعلى العكس، تعاملت الحكومة السورية البعثية معهم كما لو أنهم أعداء، ولم تقدم أي مساعدة لهم، بالإضافة إلى نهب كل المساعدات التي كانت تُرسل إليهم من خارج سوريا. عاش الجولانيون آنذاك فترات عصيبة وقاسية وأصبحوا يحملون إسم ” نازحين” وهم في بلدهم، بل تحولت مأساتهم إلى شتيمة تُلاحقهم. ولذلك حملت قضية الجولان والتهجير والتمييز في الجولانيين بعداً سياسياً وإنسانياً عميقاً، وظلت قضية الجولان حاضرة في وجدانهم، وعلى إثر ذلك كانوا من الأوائل الذين شاركوا في الثورة السورية عام 2011 نتيجة الاضطهاد الذي كانت تمارسه عليهم الدولة أثناء حكم الأسد. بقي تسليم الجولان وصمة عار في تاريخ حافظ الأسد ومع ذلك، عندما مُنح معبراً في مدينة القنيطرة ظن نفسه منتصراً، واحتفى بهذا الانتصار الوهمي، الشكلي أمام الشعب السوري.
الجولان في الحسابات الإسرائيلية وعلى خلفية مزاعم الإسرائيليين بأن فلسطين لهم منذ القدم، كيف دخل الجولان في هذه التقسيمة؟ لم تكن الرواية الإسرائيلية حول جذور اليهود في الجولان سوى إحدى الروايات الظاهرة التي تختبئ خلفها روايات ومصالح عديدة أخرى، ومن بينها الأهمية الاستراتيجية لموقع الجولان بالنسبة إليهم، لما تتمتع به من ثروة مائية تشكل مصدراً مهماً للمياه، إذ تمد إسرائيل بثلث احتياجاتها من المياه، والتي تفتقر إليها في حال لم تتمكن من السيطرة على هضبة الجولان، بالإضافة إلى ما تزخر به المنطقة من ثروات طبيعية أخرى. إذ يتمتع الجولان بموقع جغرافي مميز، حيث تنقسم المنطقة إلى قسم شمالي شرقي مرتفع وقسم جنوبي غربي منخفض، الأمر الذي يتيح لها تنوعاً في المحاصيل الزراعية، من الكرز والتفاح والموز. فضلاً عن سهولها المنخفضة التي تتيح تربية المواشي. كما تُعدّ الجولان من أكثر المناطق التي تتساقط فيها الأمطار مما يجعلها منطقة غنية بالمياه إلى حد كبير. وعلى أثر هذا الموقع الجغرافي المميز وما تتمتع به الجولان من ثروات مائية وطبيعية، ازدادت مطامع الإسرائيليين في احتلالها والسيطرة على مصادرها المختلفة، بالإضافة إلى كونها وجهة سياحية جذابة للإسرائيليين.
الجولان في الواجهة مع سقوط بشار الأسد وانتصار الثورة السورية، سارع الإسرائيليون إلى دفع قواتهم إلى المنطقة منزوعة السلاح، بحجة حماية حدود الجولان مع سوريا. كما جاء اعتراف كولومبيا، في 10 آب/2026 بسيادة إسرائيل على الجولان، لتصبح ثاني دولة بعد الولايات المتحدة تعترف بضم إسرائيل للمنطقة. وقد أجّج ذلك غضب الشعب السوري، وأكد مجدداً تمسكه بأن الجولان أرض سورية ولا جدال في ذلك. وهنا جاء السؤال، هل ستستطيع الحكومة الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع استعادة الجولان وإعادته إلى الأراضي السورية؟ أكد الرئيس أحمد الشرع خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة على أن الجولان سيبقى أرضاً سورية وأن جميع إجراءات الضم باطلة وملغاة بموجب قرار مجلس الأمن 497. وهذا يبعث الأمل في جميع نفوس السوريين بأن يكون التحرير القادم، للجولان بإذن الله. وأنه سيبقى الشعب السوري متمسكاً بحقه في استعادة أرضه، حتى تنعم جميع الأراضي السورية بالحرية التامة من كل ظالم ومحتل.