مجتمع
علي البرغوث
تعد الصحافة الميدانية في أوقات النزاعات المسلحة من أكثر المهام جسارة وأشدها خطورة؛ إذ يتحول المصور الصحفي من مجرد ناقل للحدث إلى هدف مباشر لسياسات حجب الحقيقة، والتعتيم الإعلامي، والاستهداف الميداني المباشر. في هذا السياق، يبرز اسم المصور والناشط الإعلامي السوري حمود جنيد (1980 – 2018) كأحد أهم الوجوه الصحفية الميدانية التي كرست حياتها لتوثيق الانتهاكات الإنسانية والغارات الجوية في محافظة إدلب والشمال السوري. لم تكن كاميرا جنيد مجرد أداة لالتقاط المشاهد الميدانية، بل كانت وثيقة بصرية اعتمدت عليها شبكات إخبارية ووكالات أنباء دولية في نقل معاناة النازحين وتوثيق الاستهدافات المباشرة للمرافق المدنية والمستشفيات، ومرتكزاً أساسياً للصحافة المستقلة حتى ارتقائه شهيداً إثر عملية اغتيال آثمة استهدفته برفقة رفيقه رائد الفارس.
التأسيس الإعلامي وتغطية التحولات الميدانية في الشمال
ولد حمود جنيد عام 1980 في بلدة كفرنبل بريف إدلب الجنوبي، وهي البلدة التي عرفت بكونها العاصمة الفكرية والافتراضية للغرافيتي والشعارات المدنية المناهضة للحرب والاستبداد والتطرف. ومع انطلاق الحراك الشعبي عام 2011، انخرط جنيد مبكراً في مجالات التوثيق الصحفي والإعلام الميداني، معتمداً على جهوده الذاتية وتدريبه المباشر في إتقان مهارات التصوير الفوتوغرافي، وصناعة التقارير الفيديوية، وتوثيق قصف الطيران المباشر، وتغطية الأحداث الميدانية لحظة بلحظة. أسس رفقة رفاقه كتل وشبكات إعلامية محلية ومكاتب صحفية نقلت تفاصيل اليوميات الميدانية في ريف إدلب وحماة، وجعلت من صورهم مقصداً للصحفيين والوكالات العالمية التي تعذر عليها الدخول المباشر إلى المناطق المشتعلة.
عمل جنيد كمصور وموثق ميداني رئيسي في مؤسسات صحفية مستقلة بارزة في الشمال السوري، كان في مقدمتها “راديو فريش” و”مركز كفرنبل الإعلامي”، حيث ساهم في إعداد مواد بصرية دقيقة حول حركة النزوح الجماعي، واستخدام الأسلحة العنقودية، وتدمير البنية التحتية والمدارس. ١١١١١١١
“الكاميرا ليست مجرد آلة لالتقاط الصور، بل هي أمانة أخلاقية ووثيقة تُكتب بها ذاكرة الشعوب. إن لم نكن في قلب الميدان وننقل الجريمة بالصورة والصوت، فلن يسمع العالم صرخات الضحايا تحت الأنقاض.”
من رسائل حمود جنيد الميدانية لزملائه المصورين في كفرنبل (2017).
التغطيات العاصفة تحت القصف ومواجهة الاستبداد والتطرف
عرف حمود جنيد بشجاعته واستجاباته السريعة للمواقع المستهدفة؛ إذ كان من أوائل الواصلين إلى أماكن الانفجارات والغارات الجوية لمواكبة فرق الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) وتوثيق عمليات الإنقاذ وإحصاء الضحايا ونقل صور المعاناة إلى المنصات الدولية. خاض جنيد معارك صحفية معقدة لتوثيق تداعيات الحملات العسكرية على معرة النعمان، وكفرنبل، وسراقب، وريف حلب الغربي، متحملاً مخاطر الاستهداف المزدوج من قبل الطيران الحربي، إلى جانب التضييق والملاحقة المستمرة من قبل الجماعات المتطرفة وبقايا الفصائل التكفيرية التي ضاقت ذرعاً بالصوت المدني الحر والمؤسسات الإعلامية المستقلة التي تفضح ممارساتها وتجاوزاتها بحق المجتمع المحلي.
أسهمت المادة البصرية التي أنتجها جنيد في تزويد منصات صحفية عالمية كشبكة “سي إن إن”، و”بي بي سي”، ووكالات أنباء دولية مثل “رويترز” و”فرانس برس” بصور حية كشفت حجم الكارثة الإنسانية واستهداف التجمعات السكنية والمستشفيات الميدانية والأسواق الشعبية. كما ركز في عمله على توثيق الأوضاع داخل مخيمات النازحين على الحدود السورية التركية، مبرزاً المعاناة اليومية للأطفال والنساء تحت الظروف الجوية القاسية، مع الحفاظ على خط صحفي وقيمي يرفض كافة أشكال القمع، سواء صدر عن النظام أو عن القوى الظلامية والتكفيرية في المنطقة، مما جعل اسمه ورفاقه في مرمى التهديد المباشر والملاحقة والاستهداف الميداني.
جريمة الاغتيال المأساوية والرمزية الخالدة لشهداء الصحافة السورية
توجت المسيرة المهنية والإنسانية لحمود جنيد في حادثة غادرة هزت الأوساط الإعلامية والحقوقية على المستوى الدولي. ففي يوم الجمعة 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2018، وأثناء وجوده رفقة مهندس لافتات كفرنبل ومؤسس “راديو فريش” الناشط رائد الفارس في مدينة كفرنبل، تعرضا لعملية اغتيال إجرامية نفذها مسلحون ملثمون أطلقوا النار عليهما بشكل مباشر ومكثف داخل سيارتهما عقب خروجهما من مقر عملهما في الراديو، مما أسفر عن استشهاد حمود جنيد ورائد الفارس في الموقع قبل تمكن الكوادر الطبية من إسعافهما، وسط ذهول الشارع المحلي والدولي وإدانة واسعة للعملية.
شكل نبأ مقتلهما صدمة واسعة ونعتهما معظم المنظمات الإعلامية والحقوقية الدولية بما فيها “منظمة صحفيون بلا حدود”، و”الاتحاد الدولي للصحفيين”، و”لجنة حماية الصحفيين (CPJ)” باعتبارهما من أبرز رموز النضال المدني والإعلامي الحر الذين دفعوا حياتهم ثمناً لنقل الحقيقة ومقاومة الاستبداد والتطرف ورصد الجريمة بحيادية وشجاعة.
تكمن القيمة التاريخية والرمزية لمسيرة حمود جنيد في كونه واحداً من مئات المصورين المستقلين الذين شكلوا حالة “المواطن الصحفي” في سوريا، واستطاعوا بحسهم المهني وأمانتهم الأخلاقية سد الفراغ الإعلامي الدولي، لتظل صوره ومواده التوثيقية شواهد راسخة في أرشيف الذاكرة الوطنية والدولية للنزاع السوري، وعلامة فارقة في تاريخ الصحافة الميدانية الجريئة.