Blog
لفظُ “الاستعمار” من الألفاظ التي استقرَّ استعمالها واستخدامها في الكتابات السياسية والتاريخية في الأطروحة العربية، لكنَّه وقد يربطه الكثيرون بالاستعباد على الشعوب ومع تأكيدنا على رفضنا لكلِّ صور الاستعمار والاستعباد ومصادرة حقِّ الشعوب في إدارة شؤونهم، إلا أنَّنا نريد طرح بعض الأفكار التي ساوت بين كلِّ القوى الاستعمارية في تصرفاتها ونرى أنَّ بينها خلافًا في الأداة و النتيجة، فالاستعمار قد يراه البعض منظومة سيطرة سياسية واقتصادية وثقافية، وقد تستخدم القوة العسكرية أحيانًا، وقد تستخدم الإدارة والتعليم واللغة وإعادة تشكيل النخب، ولهذا نجد الفروق ظاهرة بين القوى الاستعمارية، ومن أشهرها الفروق بين الاستعمار الفرنسي والبريطاني التي لا تكمن في أنَّ أحدهما كان رحيمًا والآخر كان أكثر قسوة، بل في طبيعة الأدوات التي استخدمها كلٌّ منهما لإدارة الشعوب الخاضعة له.
كان الاستعمار الفرنسي أكثر ميلًا إلى فرض نموذج ثقافي مركزي بالقوة العسكرية، فلم يكن يكتفي بإدارة الأرض، بل كان يحاول إعادة صياغة الإنسان الذي يعيش عليها، واللغة الفرنسية لم تكن مجرَّد وسيلةٍ للإدارة، بقدر ما كانت أداةً لإعادة ترتيب الوعي، وربط التقدُّم بالانتماء إلى النموذج الفرنسي بكلِّ تفاصيله، وقد حاول الفرنسيون، بدرجاتٍ مختلفة، إضعاف اللغات المحلية والتقاليد الدينية والثقافية، وتقديم ثقافتهم باعتبارها الطريق الطبيعي نحو الحداثة.
أمَّا البريطانيون فكانوا أكثر براغماتية، فلم تكن هناك حاجة إلى هدم لغة الخصم أو دينه، بل كانوا يفضِّلون إدارة المجتمع من خلال زعمائه المحليين، والاستفادة من بنيته القبلية أو الدينية أو الطبقية، وكانوا أيضاً يتركون للمجتمع شيئًا من ملامحه القديمة دون تدخُّل سافر، لكنَّهم يعيدون توجيه مؤسساته ومصالحه بما يخدم الإدارة البريطانية، ولذلك بدا استعمارهم أحيانًا أقل صدامًا مع الهوية، لكنَّه لم يكن أقل استغلالًا ولا أقل حرصًا على تكريس التبعية.
فالفرق إذاً أنَّ الفرنسي كان يريد من المستعمرين أن يكونوا مثلهم، أمَّا البريطاني فكان يريد أن يبقى الآخرون كما هم، ولكن بشرط أن يعملوا داخل النظام الذي وضعوه لهم.
وقد امتدَّ هذا الاختلاف بين القوى الاستعمارية وفي مثالنا “الفرنسيين و البريطانيين” إلى التعليم والقانون وتكوين النخب، فالفرنسي حاول صناعة مواطن مستعمر يتحدَّث بلغته ويفكِّر داخل منظومته الثقافية، بينما فضَّل البريطاني صناعة نخبٍ محلية تتولى إدارة المجتمع وفق قواعد ترعى مصالحه، وفي الحالتين، فالهدف النهائي لم يكن تحرير الإنسان، بقدر ما كان ضمان استمرار النفوذ بأقل تكلفة ممكنة، فالاحتلال لا ينتهي تمامًا إذا بقيت الإدارات الناعمة كالمدرسة والإعلام والمؤسسات الأخرى تنتج الإنسان نفسه الذي يحتاجه النظام الاستعماري.
ومع ذلك، فإنَّ هدم اللغة أو محاصرة الأديان أو الثقافة المحلية لا يمكن أن يدوم طويلًا، نعم قد تنجح القوة العسكرية في إقصاء لغةٍ ما أو دين شعب ما، لكنَّها لا تستطيع بسهولةٍ اقتلاع الذاكرة الشعبية للشعوب، ولا تلغي حاجة الإنسان إلى المعنى والانتماء، فالشعوب تلقائيًّا تستعيد لغاتها، وتعيد قراءة تاريخها، وتسترجع رموزها كلما تراجعت قبضة المحتل المستعمر.
لكن الخطر الأكبر يكمن في الفكرة الاستعمارية التي تستقرُّ في نفوس القائمين على الدول بعد رحيل المستعمر، فحين يؤمن القياديُّون في تلك الدول بأنَّ شعوبهم عاجزةٌ عن إدارة نفسها، وأنَّ خلاصها لا يكون إلا بتقليد الخارج، يتحوَّل الاستعمار من صورته السابقة الى صورةٍ مخفية لا تُرى، فنجده يلبس ثوبنا ويمضي بطريقتنا، لكنَّها لا تلبي طموحاتنا ولا تحمي مصالحنا.