Blog

المحروقات ترتفع.. لكن من يخفض ثمن الحياة؟

سبتمبر 14, 2026

المحروقات ترتفع.. لكن من يخفض ثمن الحياة؟

عبد الكريم البوشي

لا يحتاج المواطن السوري، الذي أنهكته سنوات الحرب وما خلَّفته من تضخمٍ وفقر وتراجع في القدرة الشرائية، إلى متابعة أسعار البورصات والنفط العالمي، أو حتى قراءة صحيفة محلية. وليس لديه أصلاً الوقت الكافي لذلك، فهو يقضي يومه في محاولة تأمين احتياجاته الأساسية.

لكي يعرف أنَّ أسعار النفط والمحروقات ارتفعت، يكفيه أن يقف عند كازية، أو يشتري بعض الخضار، أو يسمع شكوى سائق تاكسي وتبريراته عن ارتفاع الأجرة، حتى يدرك أنَّه أمام موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.

فالوقود لا يبقى في خزان السيارة، إنَّه ينتقل من المحطة إلى أجرة النقل، ومن النقل إلى تكلفة البضائع، ومن تكلفة البضائع إلى سعرها النهائي، قبل أن يصل في النهاية إلى جيب المواطن.

دخلت، اليوم الأحد، نشرة جديدة لأسعار المشتقات النفطية في سوريا حيز التنفيذ، رفعت سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية، وبنزين 90 من 147 إلى 185 ليرة، وبنزين 95 من 152 إلى 195 ليرة، كما ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي من 1470 إلى 1600 ليرة.

وبحسب وزارة الطاقة، فإنَّ الزيادة مؤقتة، وجاءت نتيجة ارتفاع كلفة تأمين المشتقات النفطية في الأسواق العالمية، بالتزامن مع توقُّف مصفاة بانياس لإجراء عمرة فنية يُتوقع أن تستمر نحو شهرين، كما تشير الوزارة إلى أنَّ سوريا تحتاج إلى نحو 300 ألف برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، بينما يبلغ إنتاجها المحلي نحو 100 ألف برميل يومياً فقط.

ولا يمكن تجاهل العامل العالمي في هذه المعادلة. فأسعار النفط ارتفعت بشكلٍ كبير خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع اضطرابات في الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وهي عوامل تنعكس بطبيعة الحال على كلفة تأمين المشتقات النفطية.

لكن الاعتراف بهذه الأسباب لا ينهي السؤال، بل ربما يبدأ منه، ماذا يحدث لأسعار باقي الاحتياجات الأساسية للمواطن؟

في بلدٍ يعاني أصلاً من ضعف القدرة الشرائية، لا يمثل ارتفاع سعر المازوت أو البنزين زيادة منفصلة يمكن للمواطن أن يتجنبها. فالمحروقات تدخل في النقل والزراعة والإنتاج والتوزيع والخدمات، وبالتالي فإنَّ ارتفاع أسعارها يتحوَّل إلى ما يعرف اقتصادياً بـ”التضخم المدفوع بالتكلفة”، حيث تنتقل زيادة تكلفة أحد عناصر الإنتاج إلى أسعار السلع والخدمات.

ولهذا فإن ارتفاع سعر الوقود لا يتوقف عند محطة المحروقات. فالشاحنة التي تنقل الخضار ستدفع أكثر، والمزارع الذي يحتاج إلى الوقود لري أرضه أو نقل محصوله سيدفع أكثر، والمصنع سيرى ارتفاعاً في كلفة تشغيله، والتاجر سيواجه تكلفة أعلى في نقل وتخزين بضاعته. وفي النهاية، تصل الفاتورة إلى المستهلك.

لكن المشكلة الحقيقية تكمن في مكان آخر: قد يكون قرار رفع المحروقات مؤقتاً، لكن ليس واضحاً أن الأسعار التي سترتفع بسببه ستكون مؤقتة أيضاً. إذا ارتفعت أجرة نقل البضائع اليوم بسبب زيادة سعر المازوت، ثم ارتفع معها سعر الخضار والمواد الغذائية، فماذا يحدث إذا عادت أسعار المحروقات بعد شهر أو شهرين إلى مستوياتها السابقة؟

هل يعود سعر الخضار معها؟ هل تعود أجور النقل إلى ما كانت عليه؟ هنا تظهر مشكلة معروفة في الأسواق: الأسعار لا تتحرك دائماً بالسرعة نفسها في الاتجاهين. فالارتفاع يصل إلى المستهلك سريعاً، بينما يحتاج الانخفاض إلى وقتٍ أطول، وقد لا يصل إليه بالقدر نفسه.

ولهذا يصبح السؤال الأهم: من سيدفع ثمن تقلبات الأسعار العالمية؟ هل يدفعها المواطن وحده؟ أم تستطيع الدولة أن تمتص جزءاً من الصدمة، خصوصاً عندما تكون الزيادة مرتبطة بظرفٍ استثنائي ومؤقت؟

وهناك سؤال آخر لا يقلُّ أهمية: أين ينتهي أثر ارتفاع الأسعار العالمية، وأين تبدأ كلفة الإدارة والبيروقراطية والاختناقات المحلية؟

فالقول إنَّ الأسواق العالمية ارتفعت لا ينبغي أن يكون نهاية النقاش، لأنَّ المواطن لا يعيش داخل بورصة عالمية، ولا يشتري احتياجاته بسعر برميل النفط. هو يعيش بدخل محدود، ويشتري الخبز والخضار والدواء، ويدفع أجرة النقل من راتب أو دخل غالباً لا يرتفع بالسرعة نفسها التي ترتفع بها الأسعار.

تقول وزارة الطاقة إنَّ تعديل الأسعار يهدف إلى تضييق الفجوة بين تكلفة تأمين المشتقات وسعر بيعها محلياً، بما يسمح باستمرار تمويل الشحنات وتأمين الإمدادات للسوق. وهذا تفسير مفهوم من الناحية الاقتصادية، خصوصاً مع اعتماد سوريا الكبير على الاستيراد وتوقف مصفاة بانياس مؤقتاً.

لكن الاستدامة لا تعني فقط أن تبقى المحروقات متوافرة في المحطات. الاستدامة تعني أيضاً أن تبقى الحياة اليومية قابلة للتحمل بالنسبة إلى المواطن.

وهذه الحياة أصبحت تضيق يوماً بعد يوم. فسنوات الحرب لم تستنزف المدن والبنية التحتية فقط، بل استنزفت أيضاً قدرة الناس على الاحتمال. كثير من السوريين خرجوا من تلك السنوات بمدخراتٍ أقل، ودخل أضعف، واحتياجات أكثر. ولهذا، فإنَّ أيَّ زيادةٍ جديدة في الأسعار ليست مجرد رقم يضاف إلى نشرة رسمية.

إنها قد تعني رحلة أقل إلى العمل، أو كمية خضار أقل على مائدة عائلة، أو دواءً يؤجل شراؤه، أو راتباً ينتهي قبل أن ينتهي الشهر. المشكلة إذن ليست في «لتر» ارتفع سعره، بل في كل ما يحمله ذلك الليتر معه من تكاليف. فالمحروقات ليست سلعة رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل سلعة استراتيجية ووسيطة، تتوزع آثارها مثل حلقات متسلسلة على معظم القطاعات التي تدخل في حياة المواطن.

وقد يكون ارتفاع المحروقات مؤقتاً بالفعل، كما تقول وزارة الطاقة، وقد تنخفض الأسعار عندما تنخفض كلفة الاستيراد وتعود مصفاة بانياس إلى العمل. لكن الاختبار الحقيقي سيكون عندها: هل ستعود الأسعار الأخرى إلى الوراء أيضاً؟

فالوقود قد يدخل خزان السيارة ويخرج منه بعد بضعة كيلومترات، لكن أثره حين يدخل في أسعار السلع والخدمات قد يبقى لمسافة أطول بكثير.

وفي النهاية، لا يطلب المواطن أن تعيش سوريا خارج العالم، ولا أن تتجاهل الدولة ما يحدث في أسواق النفط. لكنَّه يريد ألا يكون أضعف حلقات السلسلة كلما اهتزت حلقة في مكان آخر من العالم.

فقد تحمَّل السوريون خلال السنوات الماضية ما يكفي من الصدمات، حتى أصبح الراتب بالنسبة لكثيرين ليس وسيلةً للعيش، بل محاولة لتأجيل العجز عن العيش، وما يحتاجه المواطن اليوم ليس مجرَّد وقودٍ يصل إلى المحطات، بل اقتصاداً لا يجعل كلَُ ارتفاعٍ عالمي يطرق باب بيته مباشرة، ولا يجعل كل أزمة جديدة تقتطع جزءاً آخر من قدرته على الحياة.

لأنَّ الناس لا تقيس الأزمة بسعر برميل النفط، ولا بعدد الليرات التي ارتفع بها ليتر المازوت، بل يقيسونها بما بقي في جيوبهم بعد أن يدفعوا ثمن الطريق، والطعام، والدواء، والكهرباء، وما تبقى من تفاصيل الحياة.

وحين يصل المواطن إلى نهاية الشهر ولا يبقى في جيبه ما يكفي ليبدأ الشهر الذي يليه، تصبح كلمة «مؤقت» أقل أهمية بكثير من سؤال واحد: كم من قدرتنا على الاحتمال سيبقى قبل أن يصبح الغلاء نفسه هو الحياة؟

شارك

مقالات ذات صلة