مشاركات سوريا
دينا تايه
لم يكن السلاح الكيميائي في الحرب السورية مجرَّد سلاحٍ آخر في ترسانة حربٍ طويلة، بل تحوَّل إلى واحدةٍ من أكثر أدوات الحرب فتكًا وإثارة للرعب، خصوصًا عندما استُخدم في مناطق مأهولة بالسكان، حيث وجد المدنيون أنفسهم أمام غازٍ لا يُرى ولا يمكن الاحتماء منه بسهولة.
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، توالت التقارير عن استخدام مواد سامة في مناطق مختلفة. ومع مرور السنوات، لم تعد القضية مجرَّد اتهاماتٍ متبادلة؛ إذ أنشأت الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية آليات تحقيق متخصصة، اعتمدت على العينات الطبية والبيئية، وبقايا الذخائر، وشهادات الناجين والعاملين الطبيين، والصور ومقاطع الفيديو وصور الأقمار الصناعية.
وتقول الشبكة السورية لحقوق الإنسان إنَّ عدد الهجمات الكيميائية التي وثَّقتها في سوريا منذ 23 كانون الأول/ديسمبر 2012 وحتى 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 بلغ 222 هجومًا، نفذ نظام الأسد 217 منها، مقابل 5 هجمات نسبتها الشبكة إلى تنظيم داعش. كما وثقت مقتل 1,514 شخصًا في هجمات النظام، بينهم 1,413 مدنيًّا، من بينهم 214 طفلًا و262 امرأة، إضافة إلى إصابة أكثر من 11 ألف شخص. (الشبكة السورية لحقوق الإنسان)
لكن الأرقام لا تختصر طبيعة هذه الجريمة. فالسلاح الكيميائي لم يستهدف الأجساد فقط، بل حوَّل المنازل والملاجئ والمرافق الطبية إلى أماكن للخطر، وترك وراءه خوفًا امتد إلى ما بعد لحظة الهجوم.
الغوطة.. السارين يدخل ذاكرة السوريين
في فجر 21 آب/أغسطس 2013، تعرَّضت مناطق في الغوطة الشرقية والغربية بريف دمشق لهجومٍ كيميائي واسع، شمل زملكا وعين ترما وعربين ومعضمية الشام.
وأكدت بعثة الأمم المتحدة للتحقيق في استخدام الأسلحة الكيميائية استخدام السارين في الهجمات، بعد فحص عيناتٍ بيئية وطبية والاستماع إلى ناجين وعاملين طبيين. وقدرت الولايات المتحدة في ذلك الوقت عدد القتلى بأكثر من 1,400 شخص، بينما اختلفت أعداد الضحايا بحسب الجهات التي وثَّقت الهجوم. (الأمم المتحدة)
ولم تكن البعثة الأممية مخولة بتحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم، وهو تفصيلٌ مهم عند تناول القضية. لكن التحقيقات اللاحقة قدَّمت أدلة ربطت الذخائر المستخدمة بالترسانة السورية، بينما نسبت جهات دولية أخرى المسؤولية إلى نظام الأسد.
شكَّلت الغوطة نقطة تحوُّل دولية، وبعد الهجوم، انضمت سوريا إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية وقدَّمت إعلانًا عن برنامجها الكيميائي. وفي 2013 و2014، أُزيل نحو 1,300 طن متري من المواد الكيميائية المعلنة من سوريا لتدميرها خارج البلاد تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة. (OPCW)
لكنَّ التخلص من المواد المعلنة لم ينهِ القضية.
الكلور.. سلاح يتكرر بعد تفكيك الترسانة
بعد انضمام سوريا إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، استمرت التحقيقات في حوادث استخدام مواد سامة، وبرز الكلور بشكلٍ خاص.
فالكلور مادة صناعية لها استخدامات مدنية مشروعة، لكنَّه يصبح سلاحًا كيميائيًّا عندما يُستخدم بقصد إحداث أذى من خلال خصائصه السامة. ووثقَّت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية استخدامه في عدد من المناطق السورية.
وفي عامي 2014 و2015، وثَّقت التحقيقات الدولية هجمات في تلمنس وقميناس وسرمين، وخلصت آلية التحقيق المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى مسؤولية نظام الأسد عن استخدام مواد سامة كسلاح في تلمنس، ثمَّ في قميناس وسرمين. (OPCW)
وفي سرمين، وقع الهجوم في 16 آذار/مارس 2015، وأدى إلى حالات اختناق ووفاة، بينهم أفراد من عائلةٍ واحدة، وفق ما وثَّقته منظَّمة حظر الأسلحة الكيميائية.
وهكذا لم يعد السلاح الكيميائي مرتبطًا فقط بالهجمات الكبرى، بل ظهر أيضًا في القرى والبلدات الصغيرة، وعلى مقربةٍ من المنازل والمرافق المدنية.
كفر زيتا.. من إثبات الاستخدام إلى تحديد المسؤولية
في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2016، تعرَّضت كفر زيتا في محافظة حماة لهجوم باستخدام الكلور.
وخلصت بعثة تقصي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى وجود أسبابٍ معقولة للاعتقاد بأنَّ أسطوانة تحتوي على الكلور استُخدمت كسلاح، وأنَّ نحو 20 شخصًا عانوا من الاختناق وصعوبات في التنفس. (OPCW)
لكن أهمية الحادثة ظهرت مجددًا في يناير/كانون الثاني 2026، عندما أصدر فريق التحقيق وتحديد المسؤولية في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تقريرًا خلص إلى وجود أسبابٍ معقولة للاعتقاد بأنَّ القوات الجوية التابعة لنظام الأسد كانت مسؤولة عن الهجوم، وأنَّ أسطوانة صفراء مضغوطة أُلقيت من الجو وأصابت منطقة في وادي العنّز. (OPCW)
وتكشف هذه القضية الفرق بين إثبات وقوع هجوم ٍكيميائي وبين تحديد الجهة التي نفَّذته، وهو أحد أهم التطورات في التحقيقات الدولية المتعلقة بسوريا.
اللطامنة وخان شيخون.. السارين يعود
بين 24 و30 آذار/مارس 2017، تعرَّضت منطقة اللطامنة في ريف حماة لثلاثة هجماتٍ كيميائية.
وخلص فريق التحقيق وتحديد المسؤولية التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى مسؤولية القوات الجوية التابعة لنظام الأسد عن الهجمات، التي تضمنت استخدام السارين والكلور.
وفي 24 آذار/مارس، أسقطت طائرة سوخوي-22 قنبلة جوية من طراز M4000 تحتوي على السارين، وفي اليوم التالي أُلقيت أسطوانة تحتوي على الكلور على مستشفى اللطامنة، بينما شهد 30 آذار/مارس هجومًا آخر بالسارين. (OPCW)
وبعد أيامٍ قليلة، في 4 نيسان/أبريل 2017، تعرَّضت مدينة خان شيخون في إدلب لهجومٍ بالسارين.
أكَّدت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية استخدام السارين، رغم عدم تمكن بعثتها من دخول المدينة لأسبابٍ أمنية، واعتمد التحقيق على العينات البيولوجية والبيئية والشهادات والبيانات الطبية وغيرها من الأدلة. (OPCW)
ولاحقًا، نسبت آلية التحقيق المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية مسؤولية الهجوم إلى نظام الأسد، فيما خلصت تحقيقات مستقلة إلى أنَّ طائرة سورية من طراز سوخوي-22 نفذت الغارة.
قتل الهجوم عشرات المدنيين وأصاب مئات آخرين، بينهم أطفال، وأصبح هجوم خان شيخون أحد أشهر الهجمات الكيميائية في الحرب السورية.
سراقب ودوما.. استمرار الهجمات
في 4 شباط/فبراير 2018، تعرَّضت سراقب في محافظة إدلب لهجوم بالكلور.
وخلص فريق التحقيق وتحديد المسؤولية في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأنَّ مروحية عسكرية تابعة للقوات الجوية لنظام الأسد ألقت أسطوانة أدت إلى إطلاق الكلور، ما تسبَّب في تأثر 12 شخصًا حددهم التحقيق بالاسم. (OPCW)
وبعد شهرين، في 7 نيسان/أبريل 2018، تعرَّضت مدينة دوما المحاصرة في الغوطة الشرقية لهجومٍ كيميائي.
أكَّدت بعثة تقصي الحقائق التابعة لمنظَّمة حظر الأسلحة الكيميائية استخدام مادة كيميائية سامة كسلاح، بعد تحليل عينات بيئية وطبية وفحص أدلة أخرى. وفي 2023، خلص فريق التحقيق وتحديد المسؤولية إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن القوات الجوية التابعة لنظام الأسد نفَّذت الهجوم، وأن مروحية تابعة لـ”قوات النمر” أسقطت أسطوانتين تحتويان على الكلور فوق مبنيين سكنيين، ما أدى إلى مقتل 43 شخصًا. (OPCW)
وبذلك أصبحت دوما واحدة من أبرز الحالات التي توافرت فيها أدلة دولية على استخدام السلاح الكيميائي وتحديد الجهة المسؤولة عنه.
السلاح الذي ترك أكثر من الموت
تكشف هذه الهجمات أن السلاح الكيميائي لم تكن حادثًا واحدًا في الحرب السورية، بل ظهرت على مدى سنواتٍ وبمواد ووسائل مختلفة، من السارين في الذخائر الجوية إلى الكلور في الأسطوانات التي أُلقي بعضها من المروحيات.
كما تكشف التحقيقات الدولية أنَّ إثبات هذه الجرائم لم يعتمد على الصور أو شهادات الناجين وحدها، بل على سلسلةٍ من الأدلة المتقاطعة: عينات كيميائية، وفحوص طبية، وبقايا ذخائر، وشهادات شهود، وصور أقمار صناعية، وتحليل لمسارات الذخائر والقدرات العسكرية.
ومع ذلك، بقيت أسئلة حول الترسانة السورية المعلنة. ففي ديسمبر/كانون الأول 2024، قالت منظَّمة حظر الأسلحة الكيميائية إنَّ الإعلان السوري ما يزال غير دقيق وغير مكتمل، مع وجود مسائل معلَّقة مرتبطة بالبرنامج الكيميائي السوري. (OPCW)
وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، لم تقتصر خسائر الهجمات الكيميائية على القتلى؛ فهناك آلاف المصابين والناجين، وعائلات فقدت أبناءها، ومجتمعات عاشت الخوف من تكرار الهجمات.
فحين يدخل الغاز إلى منزل، لا ينتهي أثره بانتهاء الغارة. يبقى في ذاكرة من نجا، وفي صور من فقدوا أحباءهم، وفي المدن التي ارتبطت أسماؤها بمشاهد الاختناق والموت.
وقد تُهدم الأبنية وتُمحى آثار القصف مع مرور السنوات، لكنَّ الأدلة التي جُمعت من مواقع الهجمات وأجساد الضحايا وشهادات الناجين أبقت تلك الجرائم حاضرة في السجل الدولي والذاكرة الإنسانية.
ولهذا، فإنَّ قضية السلاح الكيميائي السوري لا تتعلَّق فقط بما حدث في الغوطة أو خان شيخون أو دوما، بل بسجل طويل من الهجمات التي وثَّقتها التحقيقات الدولية، وبالسؤال الذي لا يزال مفتوحًا: متى تتحوَّل هذه الأدلة من تقارير محفوظة في الأرشيف إلى عدالةٍ كاملة للضحايا؟