مجتمع
أسماء البري
منذ سنوات، يعيش الشباب السوري بين واقعين متناقضين؛ واقع يحاول فيه من بقي داخل البلاد أن يصنع لنفسه حياةً ممكنة، وواقع آخر يعيشه من غادرها بحثًا عن فرصةٍ أو أمان أو مستقبل مختلف. وبين الوطن والغربة، بقيت الأحلام موجودة، لكن الطريق إليها لم يكن سهلًا.
ومع التحوُّلات الكبيرة التي شهدتها سوريا، وما رافق انتصار الثورة وتحرير البلاد من شعورٍ بالأمل والانتقال من مرحلةٍ طويلة من الظلام إلى مساحةٍ جديدة من النُّور، عاد الحديث عن المستقبل بقوة. بالنسبة إلى كثيرٍ من السوريين، لم يعد السؤال فقط كيف نخرج من الأزمات، بل كيف نبني بلدًا يستطيع أبناؤه أن يعيشوا فيه ويحقِّقوا أحلامهم.
إلا أنَّ التغيير، مهما كان كبيرًا، لا يعني أنَّ آثار السنوات الماضية اختفت بين ليلةٍ وضحاها. فما زالت التحديات حاضرةً في حياة الشباب. في الداخل، يواجه كثيرون صعوبةً في إيجاد فرص عملٍ مناسبة، بينما تجعل الظروف الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة الاستقلال وبناء حياة مستقرة أمرًا بالغ الصعوبة. والطلاب أيضًا أمام تحدياتٍ تتعلَّق بتكاليف الدراسة والمواصلات والاحتياجات التعليمية، إلى جانب القلق المستمر بشأن ما ينتظرهم بعد التخرُّج.
أمَّا الذين يعيشون خارج سوريا، فالغربة لا تعني بالضرورة الوصول إلى الحياة التي كانوا يتخيَّلونها. هناك من بدأ من الصفر، ومن اضطرَّ للعمل بعيدًا عن اختصاصه، ومن واجه صعوبةً في الاعتراف بشهادته أو تعلُّم لغةٍ جديدة، ومن وجد نفسه يحاول الاندماج في مجتمعٍ مختلف بينما يحمل داخله ذاكرة وطنه وعائلته وأصدقائه.
ورغم اختلاف الظروف، هناك شيءٌ مشترك بين الشابِّ الموجود في دمشق أو حلب أو حمص، والشابَّة التي تعيش في إسطنبول أو برلين أو غيرها..كلاهما يريد أن يشعر بأنَّ جهده يقوده إلى مكانٍ ما. كلاهما يريد فرصةً حقيقية، وتعليمًا يفتح الأبواب، وعملًا يحفظ الكرامة، وحياةً يستطيع أن يخطِّط لها بدل أن يعيشها يومًا بيوم.
حتى الهُوية الثقافية أصبحت جزءًا من هذا التحدي. الشباب في الداخل يحاولون الحفاظ على الفنِّ والقراءة والموسيقى والمبادرات الثقافية وسط ضغوط الحياة، بينما يحاول الشباب في الخارج الحفاظ على لغتهم وذاكرتهم وانتمائهم، وفي الوقت نفسه بناء علاقةٍ جديدة مع المجتمعات التي يعيشون فيها.
اليوم، تحتاج سوريا إلى أبنائها الشَّباب بقدر ما يحتاج الشَّباب إليها. البلد الذي خرج من سنواتٍ طويلة من الظلام يحتاج إلى أن يقف مع أبنائه، وأن يمنحهم مساحةً للعمل والتعلُّم والمشاركة وصناعة المستقبل. وفي المقابل، يحتاج الشباب إلى أن يساندوا بلدهم، كلٌّ من موقعه، وأن يكونوا جزءًا من مرحلة البناء بدل أن تبقى علاقتهم بوطنهم مرتبطةً فقط بالحنين أو الخوف أو فكرة الرحيل.
قد تكون الثورة برغم ما حملته من أوجاعٍ وخسارات وانتصارات فتحت الباب أمام النُّور، لكنَّ الوصول إلى مستقبلٍ أكثر استقرارًا يحتاج إلى أكثر من لحظة انتصار. يحتاج إلى بناء، وتعليم، وفرص عمل، ومؤسَّسات، وثقافة، وإلى جيل شابٍّ يشعر أنَّ له مكانًا في بلده.
فالشباب السوري لم يفقد أحلامه، حتى لو أتعبته السنوات الماضية. البعض يحاول تحقيقها في وطنه، والبعض الآخر في بلاد الغربة، وربَّما يعود بعضهم يومًا ليكمل ما بدأه من مكانٍ آخر. وبين كلِّ هذه الاحتمالات، تبقى المسؤولية مشتركة: أن تقف سوريا مع أبنائها، وأن يقف أبناؤها معها، حتى لا يبقى النُّور الذي حلموا به مجرَّد بداية، بل يتحوَّل إلى طريقٍ يستطيعون جميعًا أن يمشوا فيه.