آراء
قبل أيام تناولت الطعام في أحد المطاعم، وزادت في طبقي شطيرة، فغلّفها لي النادل، وأخذتها.
ليست هنا القصّة، فقد بدأت القصة حينما حاولت العودة إلى المنزل وشعرت أنّ الوقت قد تأخر، ولدينا أزمة مواصلات عالمية في غزّة، فأنْ تجد سيّارة تقلك أو بالأحرى مقعداً يليق بإنسانيتك، أمر نادر الآن، وقفتُ أمام سيارةٍ أخيرة تتحرّك للجنوب، أخبرتُ السائق برجاء أن يقلني معه، حاول التفاوض مع راكبي مقاعد السيارة الأولى، ومع القطار الصغير اللاحق بها، وأنا أحب أن أسمي العربة الطويلة والتي تجرها السيارة الأولى بقطارٍ صغير، تشبهه بظاهرها لا بباطنها، فهي لا تصلح لنقل البشر، ناهيك عن البضائع، لكنّ أحداً لم يستجب، وقد كرر السائق المفاوضات مع الركّاب أكثر من مرّة، ولكن بلا جدوى، حتى أنّه ظنّ أنّه وجد لي مكاناً فارغاً لكن سرعان ما اعتذر لي، وبقيتُ هكذا فترة ليست قصيرة حتى لا أعرف كيف وجدتُ فجأةً سيارة أخرى، وجلست بجانب عائلة صغيرة الأم والابنة بجانبي، والأب يجلس في الأمام، دار حوارٌ صغير على خجلٍ بين الابنة وأمها وهي تقول لها أنا جائعة، لتقول الأمّ للأب انزل واشترِ أيّ شيءٍ لنا، نزل الأب باحثاً عن مكانٍ يبيع وجباتٍ سريعة لكن لم يجد، ثمّ عاد يبحث مرّة أخرى فوجد لكنّه لم يكن يحمل ( الفكة ) فنحن لدينا أزمة كبيرة في السيولة أيضاً، وكان تطبيقه معطلاً، ثمّ فجأة تذكّرت أنّني أحمل شطيرة في حقيبتي فأعطيتها مسرعة للفتاة، وفرحت بها وقاسمتها أمّها، وأخبرتني الفتاة بأنّها لم تأكل منذ الصباح لانشغالها وكانت تشعر بأنّها ستموت من الجوع، فضحكتُ وقلت لها: عرفت الآن لماذا لم تتسع لي السيارة السابقة لي رغم كلّ محاولات السائق ورجاءاتي للصعود بها، لكِ رزقٌ معي، هذه الشطيرة لكِ أنتِ.
الأمر لم يتوقف على هذا الموقف بالتحديد، لكنّي بدأت فعلاً أتأمل كيف حدث معي هذا وهو موقف بسيط جداً، وأنّ الله ساقني رغماً عنّي لتلك السيارة، رغم عدم رغبتي في الصعود لها، ثمّ يقلق الإنسان المسكين على رزقه، إنّ رزقكَ يُساق لك أيّها الإنسان رغماً عنه ورغماً عنك، وفي هذا أستحضر سؤالاً سُئل للإمام علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، وهو من أعجب ما سمعت في مسائل الرزق، قيل له لو كان هنالك شخص في مكانٍ مغلق تمامًا بلا أبواب ونوافذ، كيف يأتيه رزقه؟ فقال (يأتيه رزقه من حيث يأتيه أجله) ما أعظم هذه الإجابة، أيّ كما يستطيع الأجل أن يشق البروج المشيّدة والحصون المحصّنة والدروع الفولاذية، فالرزق كذلك، لا مانع يمنعه إذا قُسِمَ لك، بل ويُساق لك سوقاً.
ولهذا يجب أن ينظر المرء في حاله، فاستغلاق باب لا يعني أن نظلّ مصرّين عليه، فربّما هي إشارةٌ لك بسلوك دربٍ آخر، تُجبر أحياناً على المشي في طريق مختلف، لأنّ في ذلك الطريق رزق لعيونك في أن ترى مشاهد معينة، ورزق لخطواتك بأن تمشي في شارعٍ معين، ورزق لحاسة شمك بأن تشمّ رائحة محددة، ورزق لنطقك بأن تلقي السلام على فلان وأن يرد عليك السلام، كلّما زاد الإنسان تأملاً أو كلّما استطاع التأمل حقيقةً أدرك فعلاً بأنّه مساق وإن كان في ظاهر الأمر أنّه يختار لكنّه في أصل الأمور كلّها مساق رغم أنفه، لكن تبدأ المتعة أين؟ حينما يُساق المرء باختياره، فتصبح الرحلة الوجودية أكثر ثراء وعروجاً وصفاء واكتمالاً.
وصلّى اللّه على سيدنا محمد إمام المرسلين وسيد العالمين وبلسم المحبين وملهم التائهين ومَنْ حبه أعظم رزقٍ سرى في دم العاشقين وعلى آله وصحبه وسلم..



