اقتصاد
أسامة أحمد نزار صالح
في 23 آب عام 1973، دخل “يان إريك أولسون” بنك “كريديت بانكين” في ستوكهولم حاملاً رشاشه، وصرخ بالإنكليزية: “الحفلة بدأت!”، ليحتجز خلفه 4 رهائن في قبوٍ مظلم لستة أيام بلياليها. وقبل ذلك المشهد بثلاث سنواتٍ تقريباً، وتحديداً في 16 تشرين الثاني عام 1970، كان هناك مشهدٌ تاريخي آخر في دمشق؛ حيث دخل حافظ الأسد قصر المهاجرين عبر انقلاب عسكري، صائحاً بجماهيرٍ مذهولة بأنّ ما يحدث ليس إلا “حركة تصحيحية” لمسار الحزب والثورة. بين صرخة اللص في السويد وصرخة الجنرال في سوريا، خيطٌ رفيع؛ فكلاهما كان يعلن بداية عملية “خطف” كبرى؛ الأول اختطف موظفين في بنك طلباً للمال، والثاني اختطف وطناً كاملاً بمؤسساته وإرثه وطبقاته الاجتماعية في عملية اغتصاب للسلطة، ليُدخل السوريين في قبوٍ سياسي واقتصادي مظلم دام لأكثر من نصف قرن.
في قبو ستوكهولم، نجح “أولسون” في ممارسة تلاعب نفسي مذهل، إذ أقنع الرهائن أنّ فوهة رشاشه الموجهة لصدورهم ليست إلا الضمانة الوحيدة لسلامتهم، وأنّ عدوهم الحقيقي هو “قوى نفاذ القانون” التي تحاول اقتحام القبو لإنقاذهم. وبذات الاحترافية الإجرامية، أدار نظام الأسد سوريا التي حولها إلى قبو مظلم، حيث بنى شرعيته على مقايضة وجودية تمثّلت في الولاء مقابل “فتات الدعم”؛ فمُنح الشعب مجانية مشوهة للخدمات العامة، وسُوّق للانغلاق الاقتصادي كسبيلٍ وحيد لحماية “المكتسبات الاشتراكية” من الإمبريالية. وتحت هذا الستار، تمّ سحق البرجوازية الوطنية العريقة، واستُبدلت بطبقةٍ هجينة من “طفيليات القبو الجدد” التي نبتت كالفطور السامة في كواليس الأجهزة الأمنية، محوّلةً القطاع العام إلى بقرة حلوب تدرّ الثروات في جيوب شركاء النظام، بينما يُترك المواطن ليقتات على فتات “البطاقة التموينية”.
ومع انتقال السلطة إلى الأسد الابن، لم تُفتح أبواب القبو، بل تمّ تجديده بمصطلحاتٍ برّاقة مثل “اقتصاد السوق الاجتماعي”؛ وتحت شعار التحديث والتطوير، تمّ تعميق الاحتكارات العائلية، ممّا زاد من تراكم الثروات المنهوبة في جيوب الطبقة الداعمة للنظام، ليتحوّل “السوق الاجتماعي” في حقيقته إلى سوق سوداء كبرى تُدار من داخل أروقة القصر ومكاتب وكلائه. وأصبح “الدعم” مجرّد عنوان فارغ لسلعٍ غير متوفرة أصلاً، يقتات عليه البسطاء بينما تُنهب مقدرات الدولة في وضح النهار لتمويل بقاء المنظومة الأمنية وحماية النظام. انتهت محنة الرهائن في السويد بعد 6 أيام باستسلام الخاطفين، لكن وقعت المفاجأة التي أذهلت علماء النفس؛ إذ رفض الرهائن الشهادة ضدّ جلاديهم أمام المحكمة، بل دخلت إحدى الرهائن في علاقةٍ عاطفية طويلة الأمد مع خاطفها، ليصبح ذلك رمزاً لمتلازمة نفسية عُرفت بـ “متلازمة ستوكهولم”.
وفي سوريا، دام خطف الأسدين للدولة والمجتمع 6 عقود، انتهت بتحرر المواطن فعلياً من قبو الأسد، لتتجلّى متلازمة سورية بوضوحٍ مؤلم لدى جمهور يسارع للتشكيك في مشروع الاقتصاد الحر؛ فبفعل عقودٍ من السيطرة على العقول عبر الضخ الوجداني لاشتراكية مزيفة، يدّعي البعض أنّ تحرير الاقتصاد ليس إلا خلقاً لطبقة “محاسيب” جديدة ستطحن المواطن في لقمة عيشه، متجاهلين بوعيٍ أو بغير وعي، الفارق الجوهري بين “الثروة” وبين “النهب”. فالسوق الحر الحقيقي هو الذي يخلق طبقةً من الأغنياء الحقيقيين، أولئك الذين يصعدون نتيجة العمل والمثابرة والإبداع والمنافسة الشريفة، وهو النظام الذي يحمي “ابن الريف والمدينة على حد سواء” الموهوب و”الخريج” الطموح من تغول المحسوبيات. صحيح أنّنا نعيش اليوم بعض التشوهات، وهذا ليس فشلاً لبعض السياسات الاقتصادية الحرة التي انتهجها العهد الجديد، بل هو “ركام القبو” الذي تركه الأسدان وراءهما.
إنّ الانتقال من اقتصاد المزرعة القائم على المحسوبية إلى اقتصاد السوق القائم على العدالة والمنافسة، سواء كان عن طريق الصدمة أو الخطوات التدريجية، هو مخاضٌ إجباري، وهو ما يُسمى بحتمية الأزمة في الدورة الاقتصادية؛ فقبل مرحلة الانتعاش لا بدّ من مرحلة أزمة، والسياسة الجريئة هي التي تدرك أنّ هدم جدران القبو أسهل بكثيرٍ من تنظيف الركام الذي خلفه. ولتخفيف آثار الأزمة في هذا التحوُّل، يتطلّب من العهد الجديد ترسيخ عقدٍ جديد بين الدولة والمواطن يرتكز أساساً على القضاء الناجز على الطفيليات؛ فلا يمكن مطالبة المواطن بالصبر بينما لا تزال بقايا الطبقة التي نهبت البلاد تتحكّم بالمفاصل الاقتصادية، فالقصاص الاقتصادي كما التغلب على التحديات الأمنية شرط أصيل لنجاح الاستقرار.
كما أنّ تحرير الأسعار يجب أن يقابله رفع جودة الخدمات العامة من طبابةٍ وتعليمٍ كحقوق مصونة، مموّلة من ضرائب عادلة على الأرباح الحقيقية لا من جيوب الفقراء، بالتوازي مع البدء الفوري بعملية الرقمنة لتجفيف منابع الفساد الموروث وضمان أن تكون “الكفاءة” هي العملة الوحيدة للنجاح في سوريا الجديدة. إنّ المواطن السوري الذي كسر جدران القبو بدمه لا يطلب البقاء في “عتبة الترقب الاقتصادي” والارتهان للهدر.
إنّ مواجهة “المتلازمة السورية”، بعد نجاح العهد الجديد في تسويق رؤيته الاقتصادية المستقبلية للعالم وانتزاع قرار رفع العقوبات عن كاهل السوريين، تتطلّب مزيداً من السياسات الشجاعة في المكاشفة أمام السوريين؛ فالحرية الاقتصادية هي الضمانة الوحيدة لعدم العودة إلى القبو مجدّداً، والعهد الجديد اليوم أمام استحقاق تاريخي لبناء اقتصاد يحترم كرامة الإنسان ويُحرّر طاقاته المكبوتة، فهذا الشعب الذي صنع الثورة يستحق اقتصاداً يشبه طموحاته.
