تأملات
ما هي العندية؟
ظنّك بما عندك، يظنُّ المرء أنّه عنده (من متاع الدنيا بكلّ أشكاله المادي والمعنوي) المال، الهناء، الراحة، لكنّّ الله عزّ وجلّ ينسف هذه العندية البشرية في هذه الآية الكريمة ويقول: “ما عندكم ينفد وما عند الله باق”.
والحقيقة أنّها آية استوقفتني كثيرًا، لأنّنا لو أدركنا معناها حقيقة لخجلنا من أنفسنا ومن كلّ شيءٍ نظنّ أنّه عندنا، فإنّ كلّ ما عندنا قابل للنفاد، وليس ذلك فقط بل نفاده مستمر، لذلك قال سبحانه وتعالى (ينفد ولم يقل نفد)، أي نفاده مستمر، أيّ كلّما أصبح عندك شيء إذا رأيته ظاهريًّا بأنّه موجود، فأدرِكْ حقيقته الباطنية بأنّه ينفد في جميع النواحي.
كيف تحوّل عنديتك من النفاد إلى الاستثمار والزيادة؟ يحدث هذا بأنْ تنقلها من نطاقك إلى نطاق اللّه عزّ وجلّ، أي من عنديتك إلى عندية اللّه عزّ وجلّ، وهل يمكن ذلك؟
نعم يمكن بالنيّة الصادقة، وترسيخ مفهوم أنّه لا عندية ذاتية شخصيّة لك، وأنَّ كلّ ما عندك هو في الأصل عند اللّه عزّ وجلّ، مالك مال اللّه عزّ وجلّ، أولادك عطاء اللّه عزّ وجلّ، تميزك هبة اللّه عزّ وجلّ، فصاحتك منحة اللّه عزّ وجلّ، فتتجرّد من عنديتك، وتخرج من النفاد إلى البقاء، لأنّه كلّ شيءٍ عند اللّه عزّ وجلّ هو باقٍ لا محالةْ.
مالك الذي أنفقته بعندية اللّه باقٍ، والآخر الذي أنفق ماله بعنديته ينفد.
علمك الذي تعلّمته بعندية اللّه باقٍ ومثمر وينمو، والآخر الذي ظنّ علمه بعنديته يصبح حاجزاً بينه وبين بلوغ مراده، بل وربما يتحوّل إلى وبالٍ عليه.
مشاعرك التي قدّمتها لمن لا يستحق وقد نويتها أنّها هبة من اللّه عزّ وجلّ (باقية تُجزَى بها) ومشاعر الآخر الذي كان منافقاً بها (تنفد وتزول).
بهذا تنتقل بنيتك الصادقة وبعملك من الزوال إلى السرمدية، لأنّ كلّ شيءٍ يرتبط باللّه عزّ وجل هو باقٍ لا محالة، وكلّ شيءٍ يرتبط بك وبهواك ينفد لا محالة.
لماذا يجب أن يتذكّر العبد عندية اللّه عزّ وجل؟ ولماذا يجب أن يتخلص من عنديته؟
لأنّ عندية المرء حجاب ثقيل بينه وبين اللّه عزّ وجلّ، وبمجرّد أن يظنّ العبد بأنّه مالك فقد نسيَ أنّه مملوك، وإذا ظنّ بأنّه عنده، اغترّ بهذا وأصابه العُجب، وظنّ أنّه يستطيع أن يتصرف والحقيقة أنَّ العبد مسكين لا يملك من أمره شيئاً، وأنّه لا يستطيع أن يتنفس إلا بإذن اللّه عزّ وجلّ، فكيف بالجاه والمال والسلطان والأولاد، وهي في الاعتبار المادي لها ثقل أكبر من جزيئات الهواء الصغيرة والتي تدخل رئتك بتقدير مُحكَم، فإذا كنت لا تستطيع التحكم بجزيئات الهواء، كيف تتحكّم بما هو أعظم منها.
إذا غيّرت نظرتك لعنديتك، واستطعت أن تنقلها من أنَّ كلّ ما عندك هو من اللّه عزّ وجلّ وبالأصل هو عنده.
تتحوّل الخسارة إلى ربح، والنفاد إلى بقاءٍ واستمرارية وبركة عجيبة، ولا يستطيع الشيطان أن يطيل وساوسه في صدرك.
وصلى اللّه على سيّدنا محمّد بركة كلّ وقتٍ ومكان، وعلى قدر عندية اللّه عزّ وجلّ وعظمته وجلاله وعلى آله وصحبه وسلّم.




