تأملات

موقِفُ حُبٍّ في خيمةِ النَّبيِّ ﷺ!

أبريل 25, 2026

موقِفُ حُبٍّ في خيمةِ النَّبيِّ ﷺ!

تُحدِّثُنا أُمُّنا الصِّدّيقةُ بنتُ الصِّدّيقِ، عائشةُ رضيَ اللّهُ عنها، فتقولُ: خرجنا مع النبيِّ ﷺ في بعضِ أسفارِهِ، حتى إذا كُنّا بالبيداءِ انقطعَ عِقدٌ لي، فأقامَ النبيُّ ﷺ على التماسِهِ، وأقامَ معهُ الناسُ، وليسوا على ماءٍ، فأتى الناسُ إلى أبي بكرٍ فقالوا: ألا ترى ما صنعتْ عائشةُ؟ أقامتْ بالنبيِّ ﷺ والناسَ وليسوا على ماءٍ وليس معهم ماء!

فجاءَ أبو بكرٍ والنبيُّ ﷺ واضعٌ رأسَهُ على فخذي قد نامَ، فقال: حبستِ النبيَّ ﷺ والناسَ وليسوا على ماءٍ وليس معهم ماء!

فعاتبني وقال ما شاءَ اللّهُ أن يقولَ، وجعلَ يطعنُني بيدهِ في خاصرتي، فلا يمنعُني من التّحرّكِ إلا مكانُ النبيِّ ﷺ على فخذي!

فقامَ النبيُّ ﷺ حين أصبحَ على غيرِ ماءٍ، فأنزلَ اللّهُ تعالى قولَهُ في التيمم: “وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا”!

فقال أُسيدُ بنُ حُضيرٍ: ما هيَ بأوّلِ بركتِكم يا آلَ أبي بكرٍ!

ثمّ بعثنا البعيرَ الذي كنتُ عليهِ فأصبنا العقدَ تحتَهُ!

الدَّرسُ الأوّل:

أوقفَ النبيُّ ﷺ الجيشَ كلَّهُ، وعسكرَ بالنّاسِ ليبحثَ عن عِقدِ زوجتِهِ الذي فقدتْهُ، فقط لأنَّهُ يعلمُ أنَّهُ أثيرٌ على قلبِها!

لم يمنعْهُ الموقفُ كلُّهُ أن يُراعي خاطرَها، ويمشيَ في حاجةٍ تُسعدُها!

ولم يخشَ أن يقولَ أحدٌ إنَّهُ أوقفَ الجيشَ كلَّهُ لأجلِ رضاها!

أرادَ أن يُعلِّمَنا أنَّ الحنونَ يبقى حنونًا حتى في أصعبِ المواقفِ، وأنَّ جبرَ الخاطرِ لهُ متَّسعٌ مهما كانتِ الظروفُ، وأنَّ الإحسانَ إلى الزَّوجةِ ليس ضعفًا في الشَّخصيّةِ، وأنَّ مراعاةَ مشاعرِها ليست تبعيّةً لها، وأنَّ فعلَ ما يُسعدُها لا يعني أبدًا أنَّهُ محكومٌ لها، وأنَّ السَّعيَ لإسعادِها ليس نقصًا في الرُّجولةِ، فهو سيِّدُ الرِّجالِ، ولا يفعلُ إلا مكارمَ الأخلاقِ، وتمامَ الرُّجولةِ!

الدَّرسُ الثّاني:

أمّا أنتَ، فلا تُوقِفْ لها الجيشَ، ولا تحبِسْ لأجلِها النّاسَ عن المسيرِ، ولكن أَرِها كلَّ يومٍ أنّكَ تهتمُّ لمشاعرِها، وافعلْ ما يُسعدُها، وأزِلِ الحزنَ عنها إن استطعتَ، واستغلَّ أصغرَ المواقفِ لتُظهِرَ عاطفتكَ نحوَها، وتحيَّنِ المواقفَ لتُريَها كم تُحبُّها، فالحُبُّ مواقفُ تُفعَلُ لا مجرّدَ كلماتٍ تُقالُ!

إذا مرضتْ فهذه فرصةٌ سانحةٌ لتحنوَ عليها، أَعطِها الدواءَ بيديكَ، وأعِدَّ لها مشروبًا ساخنًا، وتحايلْ عليها لتأكلَ وإن لم يكن عندَها قابليّةٌ، وامسحْ على رأسِها، وعانِقْها، وأشعِرْها أنّها بعضُكَ!

وإذا كانتْ في مزاجٍ سيّئٍ فاحتملْها، فمَن مِنّا له مزاجٌ ثابتٌ أو يُطاقُ على الدوامِ؟!

وإذا بدرَ منها تصرّفٌ لا يُرضيكَ ولطالما أرضتكَ، فهَبْ هذه لتلكَ، ولا تقفْ لها على الكلمةِ!

وإذا أنهكَها عملُ البيتِ فخفّفْ عنها، وإذا تأخّرتْ بإعدادِ الطعامِ فادخُلْ معها إلى المطبخِ وساعِدْها، فنحنُ لا نحصدُ الحُبَّ في غرفِ النومِ إلّا إذا زرعناهُ في كلِّ أرجاءِ المنزلِ!

أشياءُ صغيرةٌ تقومُ بها تأسرُ قلبَها، وإنَّ إظهارَ الاهتمامِ أرقى صورِ التعبيرِ عن الحُبِّ، فعيشوا مشاعركم ولا تخجلوا بها، أسعدُ الناسِ بالحُبِّ هم الذين يُعطونَهُ!

الدَّرسُ الثّالث:

هذا دينٌ تفيضُ منهُ الرَّحمةُ فيضًا، حتى في الفرائضِ تتحسَّسُ رحمةَ اللهِ بكَ!

فإذا مرضتَ أو سافرتَ أباحَ لكَ اللهُ تعالى أن تُفطرَ، يا لهُ من ربٍّ يُخبرُكَ أنَّهُ يهتمُّ بكَ ويُشفقُ عليكَ!

وإذا كنتِ في رضاعٍ أو حملٍ أَجازَ لكِ أن تُفطري، يُخبرُكِ ربُّكِ أنَّكِ موضعُ اهتمامٍ عندهُ سبحانهُ، يعلمُ ضعفَكِ وإن جَهِلَهُ الناسُ، ويرى وجعَكِ وألمَكِ وإن قسا عليكِ من حولكِ!

وإذا مرضنا أسقطَ عنّا القيامَ للصلاةِ إن عجزنا عنهُ، فنُصلّي قعودًا أو حتى في فراشنا، كلٌّ بحسبِ استطاعتِهِ!

وإذا سافرنا لنا أن نَقصرَ الصلاةَ، وإذا اشتدَّ البردُ أو المطرُ جازَ لنا أن نجمعَ بين الصلاتين، وإذا لم نملكِ المالَ أُسقِطَ عنّا ركنانِ من أركانِ الإسلامِ: الزكاةُ والحجُّ، وحتى إن ملكنا المالَ ولم نملكِ الصِّحةَ لم يُطالبنا بالحجِّ، يا لهُ من ربٍّ أرحمُ بنا من أمهاتِنا وآبائِنا!

الدَّرسُ الرّابع:

لعلّكِ انتبهتِ كم راعى النبيُّ ﷺ خاطرَ عائشةَ، ولكنكِ لم تنتبهي كم راعتْهُ هي، فأبوها يلومُها ويطعنُها بإصبعهِ في خاصرتِها، وقد أزعجهُ عتابُ الناسِ له لأنَّ توقُّفَ الجيشِ كان بسببِها، ومع ذلكَ حبستْ وجعَها ولم تتحرّكْ، ثابتةً كالجبلِ في مكانِها وهي المرأةُ الرقيقةُ، فقط لأنَّها تخشى إن تحرّكتْ أن يستيقظَ زوجُها، فقدَّمتْ راحتَها على راحتِهِ وهناءَها على هنائِهِ، واحتملتِ الألمَ لينعمَ هو بالنوم!

فهل راعيتِ أنتِ زوجَكِ كما فعلتْ أمُّكِ عائشةُ؟

هل نهاكِ عن تصرّفٍ يُزعجهُ فانتهيتِ شراءً لرضاهُ، أم عاندتِهُ وناطحتهِ كما تفعلُ البلهاواتُ من الزوجات؟!

هل نظرتِ في الطعامِ الذي يُحبُّهُ فطبختِهِ له، وفي الفاكهةِ التي يُحبُّها فاشتريتِها له، أم أنَّ رضاهُ كان آخرَ همِّكِ؟!

هل احتملتِ من أمِّهِ ما لا يُعجبكِ شراءً لخاطرِهِ، أم وقفتِ لها على الكلمةِ فلم تُراعي فيه معروفًا؟!

هل أكرمتِ أهلَهُ وأقاربَهُ لأنَّ ذلكَ يُسعدُهُ، أم كانت كلُّ تصرّفاتِكِ واحدةً بواحدةٍ وهذهِ بتلك؟!

أسوأُ ما في العلاقاتِ الزوجيّةِ أن تبحثَ الزوجةُ عن حقِّها دون أن تسألَ نفسَها عن واجبِها، فتغفلُ دائمًا أنَّ القيامَ بالواجبِ يسبقُ نيلَ الحقِّ، وأنَّ بذرَ الحُبِّ يسبقُ حصادَهُ، وأنَّ أفعالَ الآخرينَ معنا هي صدى أفعالِنا، وأنَّ العاقلةَ هي من تحتملُ زوجَها وتصونُ بيتَها، ولا تُوقدُ بالمناكفاتِ نارًا هي أوّلُ من سيحترقُ بها!

 

شارك

مقالات ذات صلة