مجتمع

​عقيدة “بنك القتل” أمجد يوسف وهيكلة الحقد

أبريل 27, 2026

​عقيدة “بنك القتل” أمجد يوسف وهيكلة الحقد

 أسامة أحمد نزار صالح

أمجد يوسف؛ عسكري عقائدي تماماً، لديه “مهمة نبيلة” لا يحيد عنها، حيث يعد قتل الآخر المختلف، المتشرب من مشارب وعاداتٍ أخرى، مهمة مقدسة. لقد مكنه سقوط حي التضامن من التقاط الفرصة الذهبية، ليرتكب مجزرته في 16 نيسان 2013، ويتحوّل إلى أكبر المودعين في “بنك القتل الأسدي”. هو “بعثي” يركّز على العدالة ويكره التمييز؛ فيقتل الرجال والنساء، ولا يستثني الأطفال كي لا يضطر لقتلهم لاحقاً. هو “وطني أسدي” بامتياز، قاد أكثر من 40 مدنياً معصوبي الأعين إلى حفرة، وأطلق النار عليهم واحداً تلو الآخر؛ لم تستوقفه انحناءة رجل، ولا دموع امرأة، ولا براءة طفل. يبرر لنفسه أنّه يحمي الوطن وينتقم لشقيقه، موثقاً ساديته بجوّاله الذكي ليروي “نضالاته” عبر الماسنجر، كمن يستعرض إنجازاً بطولياً لا جريمة حرب.

تبدأ القصة من مقاعد المدرسة الابتدائية، حيث يُرصد الفشل الدراسي كعلامة مبكرة. ورغم أنّ جميع الطلاب السوريين كانوا يُساقون قسراً إلى “طلائع البعث” ومن ثمّ ‘اتحاد شبيبة الثورة’؛ إلا أنّ الفرز الحقيقي كان يبدأ حين تصبح تلك المنظمات لبعضهم مجرّد ‘مرحلة عبور’، بينما تتحوّل للفاشلين دراسياً والمحاصرين بظروفٍ مادية قاهرة إلى ‘هوية وحيدة’ وطوق نجاة. هنا، يبرز الانخراط في المؤسسة الأمنية كالمسار الحتمي الذي يتلقف هذا العوز المادي والبؤس الاجتماعي، ليعيد صياغتهما ضمن ثالوث خطير يجمع الفشل الدراسي بالحقد الطبقي والظرف المادي السيئ. هذه المؤسسة لم تكن تطلب من منتسبيها تفوقاً علمياً، بل كان شرطها غير المعلن هو التخلي عن ‘بقايا الإنسانية’ عند عتبة المقر، وإحضار هذا الثالوث معهم كوقودٍ للاستمرارية. لقد نجحت منظومة الأسد، الأب والابن، في شحن هذه الفئة بعصبية عمياء، محوّلين ‘الفشل الخاص’ إلى ‘تسلط عام” يرى في المجتمع والمدنيين أعداءً محتملين، وفي كلّ رغبةٍ بالتغيير تهديداً لامتيازات “البزة” التي منحتهم سطوةً لم يمتلكوا مؤهلاتها يوماً.

بعد السقوط والتحرير، لم يختفِ هؤلاء، بل خلعوا البزة العسكرية كما خلعها أمجد يوسف ليرتدوا لبوساً جديداً. هؤلاء الذين لم يحاربوا بشرف، سارعوا للاختباء داخل البيئات التي أنجبتهم، مشعلين موجات المظلومية عن ظروفٍ معيشية وخدمية لم يطوروها عندما كانوا في مراكز القرار، ليمتهنوا في مخابئهم “تقيةً سياسية” مكشوفة؛ تارةً يحملون العهد الجديد مسؤولية هذه الظروف المادية الصعبة—وهي ذات الظروف التي كانت يوماً وقوداً لحقدهم—ويحثون على التمسك بالوظائف والمكاسب لبناء حاضنة لهم، مدعين أنّ العوز والفقر هو ما دفعهم لمساندة الأسد في الماضي. والهدف من هذا “التموضع” ليس العيش بسلام، بل زعزعة استقرار العهد الجديد للحصول على حصانة تضمن إفلاتهم من استحقاقات الماضي الإجرامي. هكذا يحاول “بنك الحقد” إعادة تدوير نفسه، مراهناً على الفوضى ليحمي جزاريه من قبضة العدالة.

إنّ القصة لم تنتهِ بالقبض على أمجد يوسف وغيره من جزاري عهد الأسدين، ولا تنتهي بالمحاكمات العلنية وتنفيذ أقسى العقوبات بحقّ المجرمين والمدانين؛ وإن كان من الصعب طي هذه الصفحة من ذاكرة الوجدان السوري، فإنّ من الواجب طي صفحة “البيئات الحاضنة والمفرخة” للحاقدين على المجتمع، وتخليص هذه البيئات نفسها من إرث التورط الذي فُرض عليها. هنا تبرز مسؤولية العهد الجديد في تجفيف منابع الحقد، عبر خلق فرص عمل حقيقية بعيداً عن كواليس المؤسسات الأمنية، وتطوير الريف عقارياً وزراعياً وسياحياً وخدمياً، مع إخضاع منتسبي الأجهزة الأمنية لدورات تأهيل حديثة تُشرّبهم دورهم في حماية “العقد الاجتماعي الجديد” القائم على المساواة المطلقة واحترام المواطن والقانون. كما تقع المسؤولية على تلك البيئات نفسها في تبنّي زعامات عائلية ووطنية جديدة غير تقليدية، تشبه العائلات السياسية التي ناضلت في سبيل استقلال سوريا ورفضت مشاريع التقسيم؛ وأكدت لجمهورها أنّ المواطنة هي الحصن الوحيد الذي يحمي الجميع، فالعصبية لا تُنتج إلا القتلة، ودولة القانون هي وحدها الكفيلة بتنقية المجتمع وضمان عدم تكرار المأساة.”

شارك

مقالات ذات صلة