Blog
هدى الحراكي
لم تعد معاناة خريجي كليات الإعلام في سوريا تختصر في صعوبة العثور على وظيفة، بل أصبحت تعبيراً عن تحوّل جذري في طبيعة المهنة نفسها، فالسوق الذي كان يُفترض أن يستوعب أصحاب التأهيل الأكاديمي، بات اليوم يعيد تعريف معايير النجاح وفق منطق مختلف يُقدّم “الانتشار” على “المعرفة”، “والتفاعل” على “الاحتراف”.
داخل الجامعات ما يزال الطلاب يتلقّون تعليماً قائماً على القواعد الكلاسيكية للعمل الصحفي: كتابة الخبر، إعداد التحقيق، الالتزام بأخلاقيات المهنة، والتحقق من المصادر، وهي مهارات تشكّل جوهر العمل الإعلامي في شكله التقليدي، غير أنّ هذه القواعد تصطدم فور التخرج بواقع مهني مختلف تماماً، لا تُعدّ فيه هذه المهارات كافية، ولا حتى مطلوبة أحياناً بالشكل ذاته..
سوق يتغير.. ومعايير تتبدل
في السنوات الأخيرة، شهدت بيئة الإعلام تحوُّلاً متسارعاً بفعل انتشار المنصات الرقمية ومع هذا التحوُّل لم تعد المؤسسات الإعلامية وحدها تتحكم بإنتاج المحتوى وتوزيعه، بل أصبح الأفراد أنفسهم منصات قائمة بذاتها وهنا برز المؤثرون كقوةٍ جديدة استطاعت فرض معايير مختلفة للنجاح.
فبدلاً من تقييم الصحفي بناءً على خبرته أو جودة إنتاجه أصبح عدد المتابعين ومعدلات التفاعل، وسرعة الانتشار، مؤشرات أساسية تحدد فرص العمل والتعاون، ولم تعد المؤسسات سواء الإعلامية أو التجارية تبحث عن “أفضل محتوى” بقدر ما تبحث عن أكبر وصول.
هذا التحوُّل خلق واقعاً جديداً يتفوّق فيه شخص يمتلك هاتفاً ذكياً ومهارات تواصل رقمية على خريج أمضى سنوات في دراسة الإعلام دون أن يمتلك أدوات الحضور الرقمي.
الخوارزميات.. اللاعب الخفي
في قلب هذا التحوُّل تقف الخوارزميات التي تدير المشهد الإعلامي بصمتٍ فهي التي تقرر ما يظهر للمستخدم وما يختفي، وما ينتشر وما يتلاشى، وهذه الخوارزميات لا تكافئ بالضرورة المحتوى الأكثر دقة أو عمقاً، بل المحتوى الأكثر قدرة على جذب الانتباه وإثارة التفاعل، وبذلك يتحوّل صانع المحتوى إلى لاعبٍ يحاول فهم “مزاج المنصة”، أكثر من التزامه بقواعد المهنة في حين يجد الصحفي المحترف نفسه أمام معادلة صعبة: إمّا الالتزام بالمعايير المهنية مع انتشار محدود، أو التكيُّف مع قواعد اللعبة الرقمية على حساب بعض هذه المعايير.
وفي خضم هذا التحوّل، برز جانب آخر لا يقل أهمية، يتمثّل في تأثير بعض صناع المحتوى أو ما يُعرف بـ”المؤثرين” على صورة الإعلام نفسها، فمع غياب الخلفية المهنية لدى كثير منهم، وانتشار محتوى يعتمد على الإثارة أو السطحية بهدف تحقيق التفاعل، بدأت ملامح المهنة تتشوّه في نظر الجمهور ولم يعد التمييز واضحاً دائماً بين العمل الإعلامي القائم على التحقق والمعايير، وبين المحتوى السريع الذي تحكمه الخوارزميات، ومع اتساع حضور هؤلاء على حساب الإعلاميين التقليديين، بدا وكأن الساحة تُعاد صياغتها وفق معايير مختلفة لا تعكس بالضرورة جوهر العمل الإعلامي أو رسالته.
اقتصاد التأثير.. حين يصبح الجمهور رأس المال
لا يمكن فهم هذا التحوُّل دون التوقف عند العامل الاقتصادي، فالإعلانات التي تمثّل المصدر الأساسي لتمويل المحتوى، لم تعد تُوجّه فقط عبر المؤسسات التقليدية، بل انتقلت بشكلٍ كبير إلى الأفراد المؤثرين.. المعلِن اليوم لا يسأل عن الخلفية المهنية بقدر ما يهتم بحجم الجمهور المستهدف والمؤثر، الذي يملك قاعدة جماهيرية جاهزة يقدّم للمعلِن ما يحتاجه بسرعة وكلفة أقل أحياناً وهكذا يتحول الجمهور إلى رأس مال وتصبح القدرة على جذبه واستبقائه مهارة أكثر قيمة من الشهادة الأكاديمية هذا الواقع يضع خريجي الإعلام في موقع غير متكافئ، إذ يدخلون سوقاً يتطلّب منهم بناء جمهورهم من الصفر، إلى جانب إثبات كفاءتهم المهنية.
قصص فردية.. بين الإحباط والتكيّف
وراء هذه التحوُّلات، تقف تجارب شخصية تعكس حجم التحدي، فالكثير من خريجي الإعلام يجدون أنفسهم بعد التخرج أمام خيارين: إمّا البحث عن فرصٍ محدودة في مؤسسات تقليدية، أو محاولة دخول عالم صناعة المحتوى دون خبرة كافية في أدواته.
بعضهم يختار التكيّف، فيبدأ ببناء حضوره على المنصات الرقمية، متعلماً مهارات جديدة مثل التصوير، المونتاج، وإدارة الحسابات بينما يفضّل آخرون التمسّك بالمسار الصحفي التقليدي، رغم محدودية الفرص، إيماناً بدور الإعلام كرسالةٍ لا مجرّد وسيلة للانتشار، وهناك فئة ثالثة، ربما الأكثر عرضة للإحباط، تجد نفسها عالقة بين المسارين، دون قدرة على المنافسة في أي منهما..
أزمة تعليم… أم أزمة تصور؟
لا يمكن فصل هذه الإشكالية عن واقع التعليم الإعلامي في سوريا، فالكثير من المناهج ما تزال تركّز على النموذج الكلاسيكي، دون إدماج كافٍ للمهارات الرقمية الحديثة، كما تغيب في كثير من الأحيان الجوانب التطبيقية التي تتيح للطالب اختبار نفسه في بيئة قريبة من الواقع لكن المسألة لا تتعلق بالمناهج فقط، بل أيضاً بتصوّر أوسع لدور الإعلام فهل الهدف هو تخريج صحفيين يعملون ضمن مؤسسات تقليدية؟ أم صناع محتوى قادرين على العمل بشكل مستقل في بيئة رقمية مفتوحة؟
الإجابة عن هذا السؤال تبدو ضرورية لإعادة صياغة العملية التعليمية بما يتناسب مع التحوّلات الجارية.
تأثيرات أعمق.. على الوعي والمجتمع
تجاوزت آثار هذا التحوُّل حدود سوق العمل، لتطال طبيعة الخطاب الإعلامي نفسه فالمحتوى السريع والسطحي الذي تفرضه آليات المنصات قد يؤثر على مستوى الوعي العام، ويُضعف من حضور القضايا المعقدة التي تحتاج إلى معالجة معمّقة.
كما أنّ غياب المعايير المهنية لدى بعض صناع المحتوى قد يفتح الباب أمام انتشار معلومات غير دقيقة أو مضللة، في ظلّ غياب آليات رقابة واضحة كالتي كانت موجودة في المؤسسات الإعلامية التقليدية..
بين التنافس والتكامل ملامح المستقبل
رغم الصورة القاتمة، لا يعني هذا التحوًّل نهاية دور خريجي الإعلام، بل ربما إعادة تعريفه فالميزة الحقيقية التي يمتلكها الخريج تكمن في فهمه العميق للمهنة، وقدرته على إنتاج محتوى موثوق..
وفي حال تمكن من دمج هذه المعرفة مع مهارات العصر الرقمي، يمكن أن يتحوّل إلى نموذج أكثر توازناً، يجمع بين المصداقية والقدرة على الوصول، وهو ما قد يشكّل مستقبلاً بديلاً، لا يقوم على إقصاء أحد، بل على تكامل الأدوار..
سؤال مفتوح
في ضوء كلّ ذلك، يبقى السؤال قائماً: هل سيتمكن خريجو الإعلام من إعادة تموضعهم داخل هذا المشهد المتغير أم أنّ الفجوة بين التعليم وسوق العمل ستتسع أكثر؟
الإجابة قد لا تكون واحدة، لكنّها تبدأ من إدراك أنّ الإعلام لم يعد كما كان، وأنّ من لا يواكب هذا التحوُّل، قد يجد نفسه خارج اللعبة… مهما كانت شهادته.


