سياسة
مع عودة تفعيل إعلانات ميتا في سوريا عقب رفع العقوبات عنها، انتشرت منصات رقمية جديدة في مواقع التواصل موجّهة إلى الداخل السوري، معظمها بحسب الشفافية من ميتا تدار من دولةٍ عُرفت برعايتها للثورات المضادة وإنفاقها الأموال على مشاريع تستهدف استقرار دول عربية، وتطرح محتوى ومواد تدور في فلك تأليب المجتمع السوري على السلطة، وشحنهم بطرحٍ سطحي يومي لملفات تشغل تفكير السوريين، ولم تكتفِ بمنصةٍ واحدة إنّما بمنصاتٍ متعددة لتوهم المتابع أنّ عدداً كبيراً من وسائل إعلامية تنظر لملفٍ ما من زاوية معينة وكأنّ هذا يصيّرها حقاً!.
وبعد مرور سنة وعدة أشهر على سقوط النظام البائد، يسود خطابٌ مشحون ومسموم تبثه هذه المنصات في مواقع التواصل، وشخصياً يقترح لي فيسبوك هذه المنصات بشكلٍ متكرر كلّ يوم لأتابعها، تتصدر تهمة “التطبيل” ضدّ كلّ من يشكر للقيادة السورية جهودها في واقعٍ محلي ودولي معقّد، أو يحاول تبرير وشرح موقفها ودوافعها في سياقٍ آخر، وقد عكف الكثير من الشباب السوري والتزموا الصمت لتجنّب هذا الضغط والترهيب الفكري، وتتعالى الأصوات التي تتجاوز حد الفجور في شيطنة كلّ خطوة وتسخيف كلّ إنجاز مهمًا كبر أو صغر، واستغلال النساء وزجّهنّ في خصوماتٍ سياسية بالانتقال نحو ترويج روايات الخطف التي فندتها وزارة الداخلية، بعد استهلاك رواية سوق السبايا واندثارها.
وفي الضفة الأخرى ردود فعل تستشعر مخاطر فشل المرحلة الانتقالية أمام هذه الهجمات المتلاحقة، وتتمسّك هذه الشريحة المجتمعية بالدولة كونها غاية وطنية، وفي مقدمتها كتلة الثورة -وإن كانت ممتعضة حالياً من طريقة إدارة ملفات معينة- لكن تنظر لها كتفاصيل نقاشها مؤجل، وتركّز على عنوانٍ عريض بما يتضمنه من دحر المشاريع الانفصالية على كلّ شبر من أراضي الجمهورية، وإنجاح المرحلة الانتقالية مهما كلف الأمر.
قانون وكرامة وبدنا نعيش
في سوريا التي تفرّدت بحالةٍ استثنائية تميّزها عن كلّ الثورات التي انتصرت، يصعب تنفيذ انقلاب عسكري فيها عبر رجالات ترتبط بأجهزة استخبارات خارجية، إذ توحّدت البندقية في عملية ردع العدوان وانصهرت كلّ التشكيلات العسكرية في بوتقةٍ واحدة، وأعلنتها معركة تحرّر وطنية لا رايات فيها، وقد استطاع الرئيس الشرع تجنيب سوريا السيناريو الليبي، ولولا ذلك كانت البلد غارقة في مواجهة مليشيات وأمراء حرب تتنازع على قرى وبلدات، وقد ارتبكت جهات كثيرة بعد أن كانت تراهن على سيناريو سيئ مثل هذا، إلا أنّه دفن في دمشق مع الساعات الأولى من دخولها.
تنتشر منذ أسبوع دعوات للمشاركة باعتصامٍ في ساحة الأمويين، ويقف خلف الدعوات تيارين، الأول خليط من الشخصيات العلمانية والليبرالية التي بلغت من الكبر عتياً وتقيم خارج سوريا، وتُبدي انزعاجاً وامتعاضاً من استمرار حكم الرئيس الشرع وفريقه، وتدندن على خلفيتهم الجهادية بينما وصل الرئيس إلى واشنطن ودخل البيت الأبيض وباب من أبواب التاريخ في وقتٍ عجز غيره أن يأتي بما جاء، فترك الواقع وانشغل بالمواقع، ومن وراء الحدود ينظّر ويكتفي بالانتقادات، بينما التيار الثاني من فلول النظام إذ تروّج صفحاتهم للاعتصام تحت شعار “بدنا نعيش”، وبين كنا عايشين وبدنا نعيش محاولتان، الأولى لتكريس حكم استبدادي في ما مضى، والثانية لإعادته بأمانٍ هلامية وفقاعات صابون ووعود يمنّون أنفسهم بها، ويغررون بها جزءاً من المجتمع، وبين هذه وتلك يتقيّؤون حقداً كما فعلت واحدة من الناشطات التي تتصدر منصة X Media كأكبر صفحة ممولة داعمة للاعتصام وموجّهة للداخل السوري، وهي ذاتها التي كانت تدعو لحرق السوريين المعارضين لنظام الأسد بالأسيد، لأنّ البراميل لا تشفي الصدور التي تزخم بالحقد والعقول المحشية بأفكار سادية تتعطّش للإبادة الجماعية، وتعود اليوم لتتحدّث عن التظاهر ضدّ الإدارة السورية وتدفع الشارع السوري نحو تعقيداتٍ وتبعات أكثر خطورة من الواقع الحالي.
وتزامن ذلك مع انتشار فيديو لرجل أعمال سوري، يهاجم فيه السلطة في سوريا، وهو ذاته كان قد انتقد بسخرية وفوقية قدرات الإعلام الوطني في الأشهر الأولى من تأسيسه، وقد أثار مجدّداً جدلاً كبيراً بتوقيت حسّاس يسبق الاعتصام بأيامٍ قليلة، وما أعرفه أنّه من كان هدفه وغايته نظيفاً لا يصرّح ولا يلمّح في هذا التوقيت حتى لا يخدم أجندات الاعتصام من حيث يدري أو لا يدري، وبالحد الأدنى إن أحسنّا الظنّ قدمت من خلاله حالة تحشيد وتعبئة بالمجّان، وأنا هنا لا أكتب حتى أمهّد للقارئ اتّهام المذكور أنّه جزء من هذا التحرك المشبوه بقدر ما أدعوه للحذر، والنظر للموضوع من زاويةٍ واسعة وفهم تسلسل السياقات، لأنّه لا يمكن تسطيح ملفات محورية وتبنّي مواقف، وبناء قناعات على أنصاف الحقائق التي تقدّمها منصات تعنون منشوراتها في مواقع التواصل بتوصيف “مموّل” وحقّ لنا أن نسأل، من أين تُنفق الأموال عليها؟ ومن أجل ماذا؟.
هذه مرحلة لا يمكن أن نعيشها إلا بحذرٍ وتوجس، لأنّنا مع محيطنا الإقليمي والدولي نعيش في غابة ونمشي على حقل ألغام.
ما المخرج من كلّ هذا؟
تنصب جهود الإدارة السورية على السياسة الخارجية بشكلٍ ملحوظ، وربما تأتي من قناعة الرئيس أنّ الداخل يصبر ريثما تثبّت الدولة أركانها للخارج عندما قال: “أنا أراهن على شعبي”، لكن الوقت من جفاء والشيطان ينزغ.
من الضرورة بمكان الدعوة إلى عقد مؤتمر حوار وطني، وعقد ورش عمل ضمن برنامج ومحاور معلنة، تتعلّق بمختلف الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ينجم عنها مخرجات منطقية قابلة للتطبيق ولو نسبياً، وإنّ نقاشات مطوّلة لشهورٍ أفضل من تمترس شارع مقابل شارع وتعقيد المشهد بأساليب ملتوية، وإعادة النظر في توسيع دائرة المشاركة، لأنّ انخراط الشباب من كتلة الثورة في المؤسسات وإنزال الناس منازلهم أفضل من تركهم هدفاً للاستقطاب والصيد في مشاريع ندّية، ولو كان ممّا سبق نتيجة واحدة هي ضرب سردية “التهميش والاقصاء”، لكفى.
خاتمة
لسنا ممّن يوالي القيادة في السّلم والمغنَم وينقلب على عقبيه ويتنكّر لها إذا دهمتنا النوازل في الحرب والمغرم، فدائيّو الدولة إذا سُلّت سيوف الحوادث ورُميت رماح الكوارث، وكما ثبتنا في إدلب العز بفضل الله نثبت اليوم تحت بيرق الجمهورية العربية السورية، أمّا الدعوات الداعمة لاعتصام قانون وكرامة وبدنا نعيش، ينطبق عليها منطق فقراء اليهود (قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا)، لكن من عرفَ رجال الدولة في ما مضى ليس له إلا الصبر على ما لم يُحط به خُبرا،ً ونحن اليوم بين اثنتين، صبر سنوات يعقبها الظفر والتمكين، أو عجلة تعقبها الندامة والخسران والهلاك، والعاقل من اختار الأولى والجاهل من اختار الثانية وجعل من نفسه حجر عثرة في طريق الصالحين (وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا).

