آراء

النظام الإيراني و إدارة التوحش

مارس 13, 2026

النظام الإيراني و إدارة التوحش

حين يتأمل المرء تاريخ منطقتنا  الخليجية خلال العقود الأخيرة، يدرك أنّ ما يسمى بالشرق الأوسط كان ولا زال ساحة تتقاطع فيها المشاريع الكبرى العالمية وكذلك الإقليمية التي تسعى إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة العربية، ومن بين هذه المشاريع يبرز المشروع الإيراني الذي تشكّل بعد ثورة عام 1979، حين رفعت طهران شعار ” تصدير الثورة “، وهو شعار لم يكن مجرّد خطابٍ سياسي داخلي فحسب، بل تحوّل مع مرور السنوات إلى سياسةٍ إقليمية شديدة الصدام والتوحش وتسعى إلى بناء نفوذ يتجاوز حدود الدولة الإيرانية نفسها.

وقبل الخوض في هذا المقالة في منصة سطور، يجدر التوضيح أنّ المقصود بالنقد هنا هو النظام السياسي في إيران وسياساته، لا الشعب الإيراني الذي يبقى شعباً مسلماً له تاريخه وثقافته ومكانته بين شعوب المنطقة، كما أنّ هذا الكلام لا يحمل أيّ طعنٍ في الأعراق أو الأنساب الفارسية، فكلّ الأعراق والأجناس محل احترام وتقدير، إنّما المقالة  تنصرف حصراً إلى ممارسات السلطة السياسية وسلوكها الإقليمي وما ترتب عليها من آثارٍ في محيطها العربي.

وعند ربط ممارسات النظام الإيراني نستذكر ما حدث في سوريا، ظهرت هذه السياسة في أكثر صورها المتوحشة وضوحاً خلال سنوات الحرب، حيث تحوّلت الأرض السورية إلى ساحة نفوذ إيراني واسع مسلح و مرعب للسوريين، دخلته الميليشيات المدعومة من طهران، وتقاطعت فيه الحسابات العسكرية بالعقائدية وبانت حروب الثأر التاريخية، حتى غدت سوريا واحدة من أكثر بلدان المنطقة استنزافاً بفعل الحرب مع النظام الإيراني  وميليشياتها.

وفي العراق، برز النفوذ الإيراني بصورةٍ مختلفة بعد عام 2003، إذ تشكّلت شبكات سياسية وعسكرية مرتبطة بطهران، وأصبحت بعض الميليشيات المسلحة لاعباً مؤثراً في المشهد الأمني والسياسي في العراق في صناعته للتوحش، ومع مرور الوقت، أخذت هذه الجماعات أدواراً تتجاوز حدود الدولة النائشة المرهقة، الأمر الذي جعل العراق يعيش حالة من التوازن الدقيق بين السلطة الرسمية التي تسعى الى بناء دولة مستقلة مدنية والقوى المسلحة المدعومة من النظام الإيراني.

أمّا في لبنان الجريح، فقد تجسّد الحضور الإيراني عبر دعم تنظيم حزب الله –المصنف كتنظيم إرهابي لدى بعض الأنظمة والدول-، والذي تحوّل مع السنوات إلى قوةٍ عسكرية وسياسية داخل الدولة اللبنانية، وبهذا أصبحت بيروت إحدى العواصم التي يُستدل بها عند الحديث عن امتداد النفوذ الإيراني في المنطقة، حيث تتشابك القرار الداخلي اللبناني  أحياناً مع حساباتٍ إقليمية أوسع.

وفي اليمن، دخلت إيران المشهد من خلال دعم جماعة الحوثي، وهو دعم ساهم في تغيير ميزان القوى داخل البلاد، وأدى إلى اندلاع حرب طويلة أنهكت المجتمع اليمني وأدخلت اليمن في فوضى ومأساةٍ إنسانية، ودفعت البلاد إلى واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العصر الحديث.

أمّا المملكة العربية السعودية، فقد واجهت عبر السنوات تهديدات لم تقتصر على الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآتها الحيوية، بل تجاوزت ذلك إلى محاولة إدخال الصراع إلى الساحة الدينية والطائفية، فقد كشفت السلطات السعودية عن تورط عناصر مرتبطة بإيران في تفجيرات موسم الحج عام 1989 قرب الحرم المكي. وكانت تلك الحادثة صادمة في الوعي الإسلامي، لأنّها مست حرمة المكان الذي ظلّ عبر التاريخ رمزاً للأمان وتجرد المسلمين من صراعات السياسة.

أمّا الكويت، فقد شهدت بدورها حادثة خطيرة تمثّلت في محاولة اغتيال الأمير الشيخ جابر الأحمد الصباح عام 1985 عبر تفجير استهدف موكبه في أحد شوارع العاصمة، وقد كشفت التحقيقات آنذاك عن تورط عناصر مرتبطة بتنظيمات مدعومة من إيران في تنفيذ العملية، وكانت تلك الحادثة صدمة كبيرة للمجتمع الكويتي، لأنّها استهدفت رمز الدولة ومحاولة زعزعة أمن بلد عُرف بسياسة الاعتدال والاستقرار.

ومع ذلك، فإنّ التاريخ نفسه يعلّمنا أنّ الدول مهما اشتد صراعها، تستطيع في لحظة وعي أن تعيد النظر في مساراتها، وأن تختار طريقاً آخر يقوم على حسن الجوار واحترام سيادة الدول. ولعل ما نتمناه في نهاية هذا الحديث أن تدرك إيران أنّ قوة الدول لا تُقاس فقط بامتداد نفوذها، بل أيضاً بحسن سيرتها في محيطها، وأن تختار مستقبلاً طريقاً أكثر حكمة يعيد الطمأنينة إلى هذه المنطقة التي أنهكتها الصراعات طويلاً و إلا ستكون عاقبتها وخيمة جداً جداً.

شارك

مقالات ذات صلة