آراء

ما لِيَ أراكَ مُنكسِراً!

أبريل 18, 2026

ما لِيَ أراكَ مُنكسِراً!

لقيَ النبيُّ ﷺ جابرَ بنَ عبدِ الله، فقال له: يا جابر، ما لي أراكَ منكسراً؟

فقال: يا رسولَ اللّه، استُشهِد أبي يومَ أُحدٍ وتركَ عيالاً ودَيْناً!

فقال له النبيُّ ﷺ: أفلا أُبشِّركَ بما لقيَ اللّهُ به أباكَ؟

فقال جابر: بلى يا رسولَ اللّه!

فقال له النبيُّ ﷺ: ما كلَّمَ اللّهُ أحداً قطُّ إلا من وراءِ حجاب، وإنّه أحيا أباكَ فكلَّمه كِفاحاً، فقال: يا عبدي تمنَّ عليَّ أُعطِكَ!

قال: يا رب، تُحييني فأُقتلَ فيك ثانيةً!

فقال الربُّ عزَّ وجلّ: إنَّه قد سبقَ منّي أنّهم إليها لا يرجعون!

ثمّ بعدها لقيَ النبيُّ ﷺ أصحابَه فقال لهم: لمَّا أُصيبَ إخوانُكم بأُحدٍ، جعل اللّهُ أرواحَهم في جوفِ طيرٍ خُضر، ترِدُ أنهارَ الجنة، تأكلُ من ثمارِها، وتأوي إلى قناديلَ من ذهبٍ مُعلَّقةٍ في ظلِّ العرش، فلمَّا وجدوا طيبَ مأكلِهم ومشربِهم ومقيلِهم، قالوا: من يُبلِّغُ إخوانَنا عنَّا أنَّا أحياءٌ في الجنة نُرزق، لئلّا يزهدوا في الجهاد، ولا يتَّكلوا عند الحرب؟!

فقال اللهُ سبحانه: أنا أُبلِّغهم عنكم!

فأنزل سبحانه قوله: “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ”

الدَّرسُ الأوّل:

الدَّرسُ الأعظمُ من غزوةِ أُحدٍ هو: لا نصرَ لهذه الأُمّةِ إلا بطاعةِ ربِّها، والسَّيرِ على سُنَّةِ نبيِّها ﷺ! غيرُ هذا صراعُ قُوى، وحديدٌ بحديد، من امتلكَ من أسبابِ النَّصرِ أكثرَ كان النَّصرُ له!

وهزيمةٌ تكسِرُكَ وتُريكَ موطنَ الخللِ فيكَ، خيرٌ من نصرٍ يُطغيكَ فتحسبُ معهُ أنّك مالكُ أمرِكَ، ومُدبِّرُ نفسِكَ!

الدَّرسُ الثّاني:

الفِراقُ أليم، وفقدُ الأحبّةِ موجِع، وإن قيل لكَ إنّ رحيلَ شخصٍ عن دُنياكَ يجعلها فارغةً فصدِّقْ!

كان جابرٌ على فقدِ أبيه مكسوراً، ثَمّةَ أشخاصٌ لا يملأُ مكانهم أحد!

وكان النبيُّ ﷺ على فقدِ عمّه حمزةَ مكلوماً، يعزُّ على المرءِ أن يعتادَ غيابَ أحبَّته، وهذا لا علاقةَ له بمستوى الإيمان، ولا يُنافي التسليمَ بقضاءِ الله، نحنُ بشر، ومهما امتلكنا من قوّةِ الإيمان سنبقى بشراً، الإيمانُ يؤدِّبُ النفسَ ولكنّه لا يُغيِّر فطرتَها، ثمّ ومَنْ يبلغُ شِسعَ نعلِ إيمانِ النبيِّ ﷺ، وها هو قد أدماه فقدُ خديجة، وأبكاه موتُ ابنِه إبراهيم، وفطرَ قلبَه فقدُ عمِّه حمزة، نحن لا نبكي من قِلّةِ الإيمان، وإنّما من كثرةِ الوجع!

الدَّرسُ الثّالث:

يا جابرُ ما لي أراكَ منكسراً؟!

ما أعذبَها من عبارةٍ، وما أحلاها من كلمات!

النّاسُ في الغالبِ لا يريدون من يحلَّ مشاكلهم، ولكنّهم دوماً يريدون من يشعرُ بهم!

إنّكَ لن تُعيدَ إلى صديقِكَ أمَّهُ التي فقدها، ولكن بإمكانِكَ أن تكونَ له كتفاً في حُزنه! وإنّكَ لن تكون بدلاً عن زوجٍ لأختِكَ التي مات زوجُها، ولكن بإمكانِكَ أن تُشعرَها أنّها ليستْ وحدها!

إنّك لن تُعيدَ قدماً للمبتورةِ قدمُه، ولن تزرعَ كُليةً لمن أصابه الفشلُ الكُلوي، وقد لا تستطيعُ أن تجدَ عملاً لمن فقدَ عملَه، ولكنّك ببساطةٍ يمكنك أن تُريَ الناسَ أنّك تهتم!

الدَّرسُ الرَّابع:

يا جابرُ ما لي أراكَ منكسراً؟!

اعتنِ بقلبِكَ جيداً فإنَّه يظهرُ على ملامحِك!

لن تقتلَكَ الأشياءُ التي تأكلها، وإنَّما الأشياءُ التي تأكلُكَ!

كلُّ المشاعرِ السَّيئةِ تتركُ أثرَها فيك، صدِّقني، نحنُ لا نشيخُ بمرورِ الأيّام، بقدرِ ما نشيخُ بمرورِ الحوادث، إنَّ ليلةَ همٍّ تعدِلُ في أثرِها سنةً من غيرِ همٍّ! وإنَّ سنةً من عملٍ في بيئةٍ متوتِّرةٍ، تعدِلُ عشرَ سنواتِ عملٍ في بيئةٍ سليمة!

فلا تستغرِبْ إذا رأيتَ ملامحَ شخصٍ أكبرَ بكثيرٍ من عمرِه، هذا أثرُ الأيّام، يحدثُ أن تدوسَنا الأيّامُ بقسوة!

الدَّرسُ الخامس:

يا جابرُ ما لي أراكَ منكسراً؟!

كُنْ لَمَّاحاً! النّاسُ يجدون غُصَّةً في الحديثِ عن انكساراتِهم، ليس كلُّ صاحبِ حاجةٍ سيقولُ لكَ أنا مُحتاج، وما كلُّ إنسانٍ بقادرٍ أن يُخبركَ بحُزنه، أساساً ثمّةَ حُزنٌ لا تقولُه الكلمات! ولن يأتيكَ شخصٌ ابتداءً ويُلقي همَّه بين يديكَ، عليكَ أن تُلاحظَ تلك التغيّراتِ الصغيرة، فوراءها أحداثٌ كبيرة! ذاك الضحكُ الذي اختفى فجأة، ثمّةَ حُزنٌ قد أُغلِقَ عليه البابُ وتركه حبيساً في الداخل، ذاك الخروجُ الدائمُ والتنزُّهُ الذي توقّف فجأة، قد يكونُ وراءه عُسرٌ ماديٌّ طارئ، أو خلافٌ زوجيٌّ وصل إلى طريقٍ مسدود، أو فقدُ وظيفةٍ كانت تُؤمِّنُ عيشاً رغيداً، أو مرضٌ حلَّ فجأة فقضى على كلِّ لذّاتِ الدُّنيا، ليس مطلوباً منكَ أن تسبرَ أغوارَ الناس، ولكن لا تُفوِّتِ الأشياءَ التي تظهرُ لكَ، فقد يجعلُ اللهُ حلَّها على يديكَ، وحتى إن لم تملكْ حلًّا، النّاسُ أحياناً لا يريدون الحلول، بقدرِ ما يريدون أن يجدوا حولهم من يستمعُ ويهتمّ!

شارك

مقالات ذات صلة