سياسة
تتجه انتخابات مجلس الشعب في محافظة الرقة إلى مسارٍ أكثر تعقيداً ممّا كان متوقعاً، مع تصاعد موجة الانسحابات من الهيئة الناخبة، وهو تطور حول الملف من مجرّد ملاحظات متفرقة حول الإجراءات إلى أزمةٍ سياسية وإجرائية أوسع داخل المدينة. خلال الأيام الماضية، تجاوز عدد الأعضاء الذين أعلنوا انسحابهم من الهيئة الناخبة 50 عضواً، بعد أن كانت البداية محصورة بإعلاناتٍ فردية متتالية، قبل أن تتسع لاحقاً لتشمل بيان انسحاب جماعي وقعه عشرات الأعضاء. هذا التصاعد السريع في وتيرة الانسحابات أثار تساؤلات واسعة في الأوساط المحلية حول طبيعة المسار الذي تسلكه العملية الانتخابية، وما إذا كانت قادرة فعلاً على إنتاج تجربة سياسية مختلفة تعزز الثقة العامة، أم أنّها تعيد إنتاج أزمات التمثيل السياسي التي رافقت مراحل سابقة من تاريخ المدينة.
البداية جاءت عندما أعلن عدد من أعضاء الهيئة الناخبة انسحابهم تباعاً، مؤكدين أنّ قرارهم جاء نتيجة ما وصفوه بغياب المعايير الواضحة التي ينبغي أن تحكم تشكيل الهيئة وضمان تكافؤ الفرص بين المرشحين. في تلك المرحلة بدت الخطوة أقرب إلى مواقف احتجاجية فردية، إلا أنّها سرعان ما تحوّلت إلى مؤشر على وجود قلق أوسع داخل الأوساط المدنية في الرقة، خصوصاً مع تصاعد النقاش حول آلية تشكيل الهيئة الناخبة منذ الإعلان عن قائمتها الأولى.
فبالنسبة لمدينة خرجت من سنواتٍ طويلة من الحرب والتحوّلات السياسية المتسارعة، لا تُقاس قيمة الانتخابات بمجرّد إجرائها في موعدها، بل بمدى قدرتها على بناء شعور عام بالثقة لدى المجتمع. المواطن الذي عاش سنوات من الفوضى السياسية والتجارب المؤقتة لا يبحث فقط عن صندوق اقتراع، بل عن عملية يشعر بأنّها عادلة وشفافة، وأنّ صوته لن يتحوّل إلى مجرّد رقم ضمن معادلة محسومة مسبقاً. ومن هذا المنطلق اكتسبت الانسحابات الأولى دلالة خاصة، لأنّها جاءت من داخل الهيئة نفسها، ما يعني أنّ الاعتراض لم يعد مقتصراً على انتقادات خارجية أو مواقف إعلامية، بل أصبح جزءاً من النقاش الداخلي المرتبط ببنية العملية الانتخابية ذاتها.
وفي ضوء ذلك، أخذت الأزمة منحى أكثر وضوحاً بعد الإعلان عن القائمة الأولية للهيئة الناخبة، التي ضمت 172 اسماً رغم أنّ العدد المحدد قانونياً هو 150 عضواً فقط. هذا الفارق أثار نقاشاً قانونياً واسعاً حول الأسس التي استندت إليها عملية الإعلان، وما إذا كان الأمر ناتجاً عن خلل إجرائي أم مجرّد خطوة أولية قبل عملية تدقيق لاحقة. لكن الجدل لم يتوقف عند مسألة الأرقام، إذ تزايدت الانتقادات من قبل ناشطين ووجوه مدنية اعتبرت أنّ آلية الاختيار تفتقر إلى الشفافية الكافية، خاصة في ظل استبعاد شخصيات معروفة في المجتمع المدني مقابل إدراج أسماء أثارت تساؤلات حول المعايير التي اعتمدت في اختيارها. كما ساهمت معلومات متداولة حول دراسة نحو 800 طلب ترشيح خلال يوم واحد في تعميق الشكوك لدى بعض المراقبين، الذين رأوا أنّ معالجة هذا العدد الكبير من الطلبات خلال فترة زمنية قصيرة تثير تساؤلات حول مدى إمكانية التدقيق الفعلي في كلّ ملفّ على حدة. كذلك أشار بعض المحتجين إلى وجود أكثر من اسم من العائلة نفسها ضمن القائمة، في حين غابت عنها شخصيات لعبت أدواراً بارزة في النشاط المدني والحراك الثوري في المدينة خلال السنوات الماضية، وهو ما زاد من حدة الجدل حول طبيعة التوازنات التي حكمت تشكيل الهيئة.
في خضم هذه النقاشات، أصدر عدد من ناشطي الرقة ووجوهها المدنية بياناً شددوا فيه على أنّ النزاهة الانتخابية لا يمكن اختزالها في مجرّد شعارٍ سياسي، بل تقوم على مجموعةٍ من المبادئ الأساسية التي تشمل الشرعية والمساواة والشفافية والحياد المؤسسي. وأكد الموقعون أنّ أيّ خللٍ في هذه المعايير قد يؤدي إلى نتائج عكسية على مستوى ثقة المجتمع بالعملية الانتخابية، محذرين من أنّ فقدان الثقة قد ينعكس سلباً على المشاركة السياسية في المدينة. ودعا البيان إلى اتّخاذ خطوات عملية لمعالجة الأزمة، من بينها تعليق اعتماد القوائم بشكلٍ مؤقت، وإعادة احتساب عدد أعضاء الهيئة الناخبة وفق المعايير القانونية المحددة، إضافة إلى فتح باب الطعون ضمن آلية واضحة وجدول زمني محدد يسمح بمراجعة الاعتراضات والبت فيها بطريقة شفافة.
وفي خطوة عملية من جانب اللجنة العليا للانتخابات، أصدرت الأخيرة قراراً بإعادة ترميم قائمة الهيئة الناخبة عبر إضافة 42 عضواً جديداً، في محاولة لتعويض الانسحابات وضمان استمرار العملية الانتخابية. كما أعلنت اللجنة أنّها ستتولى الإشراف المباشر على الانتخابات في محافظة الرقة، وهو إجراء استثنائي يعكس حجم التعقيد الذي وصلت إليه الأزمة.
وبالموازاة مع ذلك، شهدت الأزمة تصعيداً تمثل في إعلان انسحاب جماعي وقّع عليه 41 عضواً من أعضاء الهيئة الناخبة، مؤكدين أنّ قرارهم جاء انطلاقاً من شعورهم بالمسؤولية الوطنية، وأنّ استمرار المخالفات قد يقوض مصداقية العملية الانتخابية برمتها. كما أشار البيان إلى أنّ بعض الأسماء المدرجة في القائمة سبق أن قُدمت بحقها طعون موثقة وكان من المفترض شطبها، وهو ما اعتبره الموقّعون مؤشراً على وجود خللٍ في آلية التعامل مع الاعتراضات.
وفي سياقٍ مرتبط، أعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، أمس الثلاثاء، قوائم المترشحين لعضوية المجلس في الدائرتين الانتخابيتين بمحافظة الرقة، لتضم 32 مرشحاً عن دائرة الرقة و20 عن دائرة مدينة الطبقة. ويأتي هذا الإعلان في وقتٍ ما زالت فيه موجة الانسحابات تتواصل، ما يجعل عملية تشكيل المجلس محل متابعة دقيقة، وسط جدل مستمر حول نزاهة الانتخابات وآلية اختيار المرشحين، ويعكس ذلك حجم التحديات التي تواجه اللجنة العليا لضمان شفافية العملية وانتظامها قبل انطلاق الحملات الانتخابية، ويضيف بعداً جديداً إلى المخاوف من أن تظل الانتخابات مجرّد إجراء شكلي لا يعكس تطلعات المجتمع المحلي.
وفي هذا السياق، علق نوار نجمة، المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات، لوكالة سانا، مؤكداً أنّ العملية الانتخابية في محافظة الرقة مستمرة وفق المواد الأساسية والتعليمات التنفيذية للنظام الانتخابي المؤقت، وأنّ الحملات الانتخابية ستنطلق مباشرة بعد إغلاق باب الترشح، متوقعاً إجراء عملية التصويت خلال الأسبوع القادم يعقبها فتح باب الطعون على النتائج وفق الآليات المعتمدة.
وفي تصريحٍ خاص، قال مهنا أحمد المحمد، أحد الأعضاء المنسحبين، إنّ الأزمة ترتبط بما وصفه بتدخلاتٍ من جهات أمنية وسياسية لفرض أسماء مثيرة للجدل داخل الهيئة الناخبة. وأضاف: “الأمر يتعلق بتدخلات وهيمنة من جهات أمنية وسياسية لفرض أسماء مطعون بها ومثيرة للجدل. كيف لنا أن نقبل بوجود شخص أجرى تسوية أمنية مع النظام البائد، وآخر عضو في مجلس قسد عن نقابة المحامين التابعة لها، ومع ذلك فرضتهم اللجنة العليا للانتخابات رغم الطعون الكثيرة المقدمة ضدهم؟ استمرار هذه الانتهاكات يخلق أزمة ثقة حقيقية في آلية التمثيل السياسي في الرقة.”
وبيّن المحمد أنّ مطلب المنسحبين يتمثل إمّا في إعادة اللجنة التي كانت تشرف على الانتخابات قبل تحرير الرقة من سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، أو تشكيل لجنة جديدة تعتمد على أسس تضمن استقلالية عملها ونزاهته. وأضاف: “استمرار عمل اللجنة رغم وجود أعداد كبيرة من الانسحابات هو استخفاف بعقلية وموقف الثوار. نحن مستمرون في الاحتجاج. إذا أرادوا فرض أشخاص غير موثوقين أو من مخلفات النظام البائد أو قسد، فهذا شأنهم، لكن من واجبنا الأخلاقي تجاه ثورتنا ألا نكون شهود زور، وألا نشارك في عملية تخون شهداءنا”.
وفي موازاة الجدل الإجرائي، يرى عدد من المحللين المحليين أنّ موجة الانسحابات المتصاعدة ترتبط بتوازنات داخلية تشكلت داخل الهيئة الناخبة منذ الإعلان عن تركيبتها. ويشير هؤلاء إلى وجود تيار يُعرف محلياً ببقايا “حركة أحرار الشام” داخل الهيئة، يضم شخصيات كانت مرتبطة سابقاً بحركة “أحرار الشام الإسلامية” خلال فترة وجودها في الرقة عام 2013، وهو ما يعكس تأثير هذه الشبكات على سير العملية الانتخابية برمتها.
ويرى مراقبون أنّ تأثير هذا التيار لا يقتصر على الانتماء التنظيمي المباشر، بل يتصل أيضاً بشبكة من العلاقات الاجتماعية والعائلية التي تشكّلت خلال سنوات الصراع، وهو ما يمنحه حضوراً مؤثراً داخل الهيئة الناخبة وقدرة أكبر على التأثير في توازناتها الداخلية.
وبحسب هذه القراءة، فإنّ هذه التوازنات قد ساهمت في خلق حالة من الاستقطاب بين بعض مكونات الهيئة، خاصة مع شعور عدد من الأعضاء بأنّ هذه الشبكات قد تتحوّل إلى كتلة تصويتية متماسكة داخل العملية الانتخابية. كما يرى مراقبون أنّ هذه المعطيات قد تفسر جانباً من التوتر الذي رافق عمل لجنة الطعون، إذ تتهمها بعض الأطراف بتجاهل عدد من الاعتراضات المقدمة ضدّ بعض الأسماء داخل الهيئة الناخبة. ويعتقد منتقدون أنّ هذا التجاهل لم يكن مجرّد إجراء إداري، بل جاء نتيجة توازنات داخلية فرضتها بعض التكتلات، وهو ما ساهم في تعميق أزمة الثقة بين عددٍ من الأعضاء والجهات المشرفة على الانتخابات.
في المحصلة، تعكس الانسحابات المتتالية والبيانات الاحتجاجية والقرارات الاستثنائية التي اتخذتها اللجنة العليا أنّ الرقة تمر بلحظةٍ سياسية حساسة. فالمدينة التي تحمّلت عبئاً كبيراً خلال سنوات الحرب لا تبحث فقط عن ممثلين لها في مجلس الشعب، بل عن تجربة سياسية مختلفة قادرة على إعادة بناء العلاقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة. وفي النهاية، يبقى نجاح الانتخابات مرهوناً بمدى قدرتها على إقناع المواطنين بأنّ العملية تقوم على قواعد واضحة ومتساوية. فالثقة في أيّ تجربةٍ انتخابية لا تتشكّل يوم الاقتراع وحده، بل تبدأ منذ اللحظة التي يشعر فيها الناس أنّ أصواتهم تمتلك قيمة حقيقية، وأنّ الانتخابات ليست مجرّد إجراء شكلي، بل خطوة جدية نحو إعادة بناء الحياة السياسية في مدينة أنهكتها سنوات الصراع.


