آراء

بين الجغرافيا والعقيدة: لماذا يبقى الخليج العربي ساحة للصراعات؟

مارس 8, 2026

بين الجغرافيا والعقيدة: لماذا يبقى الخليج العربي ساحة للصراعات؟

عندما يتأمل أحدنا الآن خريطة العالم يجد أنّها لا تبدو  مجرّد خطوط وحدود مرسومة على الورق، بل يجدها تبدو كأنّها عقدة معقدة في قلب التاريخ البشري، تجتمع وتتقاطع عندها طرق السياسة والاقتصاد والعقائد الفكرية، ومن بين هذه المناطق منطقتنا –منطقة الخليج العربي– والتي تعتبر واحدة من أكثر بقاع الأرض جذباً للصراعات بين القوى الإقليمية و العالمية، لأنّها تقع في قلب جغرافيا استتثنائية تربط جزيرة العرب بثرواتها بالعالم الكلي ،تلك الميزة التي لا تستطيع القوى الكبرى تجاهلها.

فالجغرافيا هنا إذاً ليست مجرّد مساحة أرض، بل موقع استراتيجي يربط بين القارات، ويمر عبره جزء كبير من تجارة العالم ومصادر الطاقة التي تقوم عليها اقتصادات الدول الحديثة، ولهذا نجد أنّ كلّ توتر سياسي في منطقة الخليج العربي يتحوّل بسرعة إلى قضية دولية، لأنّ ما يجري فيها لا يبقى محصوراً داخل حدودها، بل يمتد أثره إلى موازين القوى في العالم كله.

غير أنّ الجغرافيا وحدها لا تفسر سر هذه الصراعات المتكررة، فهناك عامل آخر أكثر عمقاً، وهو العامل العقائدي والفكري“، فهذه الأرض كانت عبر التاريخ موطن انطلاقة للرسالة الخاتمة للرسالات السماوية، ومسرحاً لصراعات كبرى بين أفكار ومذاهب ومشاريع سياسية مختلفة، ولهذا فإنّ أيّ صراعٍ فيها لا يبقى مجرّد خلافٍ سياسي عابر، بل يكتسب غالباً بعداً رمزياً يتجاوز الحسابات التقليدية للمصالح.

وعندما ننظر إلى ما يجري اليوم من توتر متصاعد بين إيران والولايات المتحدة في مياه الخليج، ندرك أنّ المشهد ليس مجرّد مواجهة عسكرية محتملة بين دولتين، بل هو تعبير عن صراع أوسع يتداخل فيه النفوذ السياسي مع الحسابات الاستراتيجية، وتمتزج فيه المصالح الاقتصادية بالاعتبارات والمنطلقات العقائدية، فإيران تلك الجمهورية الفارسية ترى في حضورها الإقليمي امتداداً لمشروعٍ سياسي وفكري تسعى إلى ترسيخه، بينما تنظر الولايات المتحدة إلى المنطقة باعتبارها جزءاً من توازن عالمي لا يمكن السماح باختلاله خاصة بوجود ابنتها بالتبني الكيان الإسرائيلي.

وفي وسط هذا التوتر تقف دول الخليج في موقع بالغ الحساسية، فهي ليست طرفاً مباشراً في الصراع، لكنّها بحكم الجغرافيا تجد نفسها دائماً قريبة من ارتداداته و آثاره و عواقبه، فالصواريخ التي تُطلق كلّ يومٍ على مناطق حيوية في دول الخليج، قد تحوّلت إلى هواجسٍ يومية مخيفة يشعر بها الناس في الخليج في حياتهم العادية.

ولهذا فإنّ الحكمة الآن في هذه اللحظة الدقيقة التي تمر بها منطقتنا الخليجية لا تقتصر على إدارة التوترات العسكرية بين القوتين أمريكا و إيران والسعي إلى إيقاف الحرب، بل تمتد إلى ضرورة فهم الدوافع العميقة التي تحرك أطراف الصراع حالياً، فالحروب الكبرى لا تُشعلها المصالح الاقتصادية وحدها وإن كانت تأخذ حيزًا كبيرًا من المقاصد ، بل تقف خلفها غالباً رؤى أيديولوجية ومشاريع فكرية تسعى إلى توسيع النفوذ أو إعادة تشكيل موازين القوة في الإقليم العربي الخليجي، ومن هنا فإنّ قراءة ما يجري بين إيران والولايات المتحدة من ناحية عقدية، وما يتقاطع معه من حضور إسرائيلي صهيوني في المشهد، لا ينبغي أن تقف عند حدود المصالح المادية، بل يجب أن تمتد إلى تفكيك المنطلقات الفكرية والسياسية التي تدفع كلّ طرف إلى خوض هذه المواجهة.

شارك

مقالات ذات صلة