مدونات
أسامة أحمد نزار صالح
الشرق الأوسط مزرعة من الأهوال والألغام، لم يكن في تاريخه بخيلاً في إنتاج الطغاة، كما في إنتاج الأحداث الكبيرة، ومنها الاغتيالات؛ ذلك أنّ الاغتيالات تضع البلد المعنيّ، وحتى جيرانه في هذا الجزء الشائك من العالم، أمام منعطف خطر.
اغتيال خامنئي حدث شديد الخطورة، ليس فقط بسبب حجم إيران وثقلها في الإقليم، بل لأنّ النظام الذي نشأ منذ اختطف المرشد الأول “الخميني” وملاليه لواء الحكم في إيران عام 1979، له رأس واحد هو المرشد الثاني “علي خامنئي”، الذي أعلن الرئيس الأمريكي ترامب عن اغتياله في الحرب المستعرة اليوم على النظام الإيراني. إنّ سقوط رأس الهرم هذا ليس مجرّد زلزال سياسي، بل هو اصطدام بواقع معيشي مرير في الداخل الإيراني؛ فمن يُسكِت المواطن الإيراني بعد عودته مخضباً بالدماء من “حلمه النووي” ليجد واقعه هشاً ومستقبله مجهولاً؟
ترامب سابقاً عرض على خامنئي صفقة، وكان يلوح بأنّ يده على الزناد؛ وذلك بعد محاولة إيران على مدى عقود قيادة انقلاب مبرمج على نفوذ أمريكا في الشرق الأوسط. لم يفهم خامنئي حينها أنّ الشرق الأوسط قد تغيّر بعد 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 عقب “طوفان السنوار”، كما لم يفهم الخلل في ميزان القوى بعد انخراط أذرع إيران في الإقليم في “حرب الإسناد” وما تبعها من “حرب الاثني عشر يوماً”. ومع اندلاع حرب اليوم على إيران واغتيال مرشدها منذ اليوم الأول، لم تجد طهران وأذرعها مهرباً سوى الهروب إلى الأمام؛ فجاءت ردة فعلها لتطال الجيران قبل الخصوم، عبر ضربات استهدفت دول الخليج والأردن، وصولاً إلى إقحام أمن المتوسط في أتون الصراع عبر تهديد قبرص ووضعها في مرمى النيران.
هذا السلوك الانتحاري عكس حقيقة مفادها أنّ النظام قرر رهن أمن المنطقة بأكملها مقابل بقائه، محاولاً تصدير أزمته الوجودية إلى عواصم عربية وأوروبية. وقبل بداية الضربات الأمريكية الإسرائيلية، راهن المفاوض الإيراني سابقاً على سياسة “حافة الهاوية” المعتادة، معتقداً أنّ التسلح بالوقت سيرهق الخصم، غافلاً عن أنّ التعب قد نال من هيكل النظام نفسه قبل خصومه. لذا، يبدو أنّ خامنئي لم يحجز تذكرة لرحلة عودة إيران لموقعها الطبيعي داخل حدودها، وإنّما حجز تذكرة للقاء قاسم سليماني وحسن نصر الله، مسلماً للرئيس ترامب قرار إرسال “الثورة الإسلامية” إلى ما يشبه مثواها الأخير.
هذه الحرب ليست مجرّد جولة مع “الشيطان الأكبر”، بل هي مؤشرات قوية على نهاية حقبة رسمت خلالها إيران الملالي ملامح الإقليم لما يقارب 50 عاماً، كان عنوانها الأبرز تصدير الثورة وإقامة “الهلال الشيعي”. ويجوز أنّ العالم تعب من محور المقاومة والأنفاق والجيوش المليشياوية، وضاق ذرعاً بالأذرع، ويريد الحديث مع الحكومات والجيوش الشرعية. لكن المؤكد أنّ الرئيس ترامب لا يمانع التفاوض وهو يوجه الضربات؛ وإذا كان قد صرح في ولايته السابقة أنّ الاتفاق النووي هو “الأسوأ في التاريخ”، فهو اليوم يقول إنّ تغيير النظام الإيراني هو أفضل شيء يمكن أن يحدث.
متى يحدد ترامب لحظة “اليوم التالي”؟ وهل تنتج هذه الحرب إيران جديدة مشغولة في ترميم اقتصادها وتحسين معيشة مواطنيها، أم تنتج محوراً جديداً يعيد تحالف “إيران الشاه” مع إسرائيل، تحت عنوان “تحالف الأقليات” الجيوسياسي الذي يسعى لهندسة النفوذ من جديد؟ وهنا يبرز التساؤل الجوهري حول مستقبل سوريا: هل تكون أول الملاعب لصدام المحاور الجديدة؟
إنّ الرهان الحقيقي اليوم هو أن يحصن الرئيس الشرع سوريا، عبر قيادتها نحو إقامة دولة المؤسسات المتماسكة التي تحفظ حقوق الأقليات وتُعلي قيم المواطنة والعدالة. إنّ سوريا “الدولة الطبيعية” المستقرة، التي لا تشكّل تهديداً لجيرانها، هي وحدها التي يمكن أن تكون “بيضة القبان” القادرة على تحقيق التوازن المنشود في المنطقة وحماية السيادة الوطنية بعيداً عن صراعات المحاور الطارئة.


