آراء
هذه بعض هواجس عن الكتابة في زمن الحرب، أوّلها خطورة السخرية في وقت الأزمات، فممارسة الفكاهة حول القضايا الجادة يُفقدها كثيرًا من حساسية الموقف، مع ما يصاحب ذلك من الاستخفاف بمصاير الناس وألمهم. في زمن التواصل الاجتماعي زاد الهرج عبر رصف الكلمات والثرثرة، والأدهى ممارسة التحليل السياسي المستمر ليلًا ونهارًا دون تواضع واستشعار بالقصر المعرفي ومدى ما لا نعرفه من معلومات. لاحظت كذلك المستوى العالي من الجهل بإيران. يقول الكاتب جلال عامر في سخرية عن تفشي المحللين: «كنت أريد أكون محللًا استراتيجيًّا، لكنّ أهلي أصرُّوا على أن أكمل تعليمي».
يوجد جهل مريع بتاريخ إيران في بعض البلاد العربية والتعامل معها باعتبارها ضحية، وتنظيف وتلميع صفحتها السياسية، ورغبة متعمدة في نسيان دورها في العراق وسوريا وطريقتها في إدارة الملفات العربية باعتبارها إمبراطورية في لبنان واليمن، وأكبرها فاجعة سوريا.
سليماني وجرائمه
ازدهرت الميليشيات التي موّلتها إيران في المناطق الحدودية في العراق وسوريا، فقد تسامحت إيران مع تنوع هذه المنظمات لأنّ الارتباك والتنوع يساهمان في إنكار طهران لعملياتها الأمنية، وهي فصائل موّلتها إيران ودعمتها بالسلاح، خصوصًا من قِبل الحرس الثوري الإيراني وفرعه فيلق القدس. توقفتُ عند معلومة في كتاب «خطّ في الرمال» عن قاسم سليماني في العراق، ففي عام 2008 تلقى الجنرال ديفيد بتريوس قائد القوات الأمريكية في العراق رسالة على هاتفة الخليوي يقول فيها قاسم سليماني: «الجنرال بتريوس، يجب أن تعلم أنّني، أنا قاسم سليماني، أتحكّم في سياسة إيران في ما يتعلق بالعراق ولبنان وغزّة وأفغانستان، والحقيقة أنّ السفير الإيراني في بغداد هو عضو في فيلق القدس، والشخص الذي سيحل محله هو عضو في فيلق القدس». من كتاب «خط في الرمال»، صفحة 343.
تكشف هذه القصة عن مدى التدخل الإيراني في إفساد المجال السياسي العراقي، فقاسم سليماني الجنرال الإيراني الآتي من قرية صغيرة وفقيرة في محافظة كرمان هو «أقوى رجل في العراق بلا شك»، كما أشار وزير الأمن القومي العراقي موفق الربيعي. ويتجاهل البعض أدوار سليماني في تسهيل الغزو الأمريكي لأفغانستان، فقد سبقهم إلى مطار باجرام لتقديم الدعم اللوجيستي للقوات الأمريكية، وتبادلت إيران كلّ معلوماتها التي حصلت عليها بسبب قربها من تحالف الشمال مع الولايات المتحدة الأمريكية، فضلًا عن تجاهل تاريخ الدعم الدبلوماسي الذي قدّمته طهران للولايات المتحدة في مؤتمر بون في ألمانيا لتسهيل تعيين حامد قرضاي وإضفاء الشرعية على اليوم التالي بعد سقوط طالبان.
يوضح تريتا براسي في كتابه «حلف المصالح المشتركة.. التعاملات السرّية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة» أنّ إيران عرضت السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدهم الجوية، وعرضوا توفير قاعدة لتنفيذ مهام البحث والإنقاذ للطيارين الأمريكان الذين تسقط طائراتهم، وعرضوا الخدمة كجسرٍ بين التحالف الشمالي والولايات المتحدة في قتال الطالبان، حتى إنّهم استخدموا في قليل من المناسبات معلومات أمريكية للعثور على زعماء تنظيم القاعدة الفارّين وقتلهم.
وفي الكتاب الذي صدر حديثًا لولي نصر بعنوان «استراتيجية إيران الكبرى» يقول: «يتذكّر الدبلوماسي الأمريكي ريان كروكر أنّه فور وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، التقى مبعوث قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، الجنرال قاسم سليماني، في جنيڤ. قدّم المبعوث الإيراني لكروكر خرائط مفصّلة لمواقع طالبان، بالإضافة إلى نصائح حول الأهداف التي ينبغي أن يركّز عليها سلاح الجوّ الأمريكي». لماذا لا تُستحضَر نماذج من طريقة إيران البراغماتية في السياسة الدولية وتكون هي الدولة التي تقف أمام النفوذ الأمريكي؟! قبل أن تنقلب عليها أمريكا وتجعلها من محور الشر.
نذكر ذلك التاريخ لأنّ البعض يبيع أوهامًا تحمل شعارات منتهية الصلاحية عن إيران التي تعلن «الموت لأمريكا» وتقوم بصفقة إيران كونترا في السرّ لاستلام الأسلحة من إسرائيل في سياق الحرب العراقية-الإيرانية، ويتجاهل أنّ إيران وصلت بالمفاوضات إلى الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة نفسها، واتفقوا على إسقاط صدام حسين، وكان الجندي الأمريكي الذي يسقط داخل الحدود الإيرانية لا يُتعرَّض له أو يُعتدى عليه، في اتفاق جنتلمان بين زلماي خليل زاده السفير الأمريكي لدى العراق وجواد ظريف، كما تشير إلى ذلك مذكرات زلماي بعنوان «السفير».
لذلك دعونا نخرج من أوهام تبييض صفحة إيران في المنطقة. ألم ترسل جنودها وتحشد حزبها لقتال السوريين وتأخير انتصار ثورتهم؟ لقد ساهمت في تشريد الشعب السوري، مع ما جر ذلك من أهوال ركوب البحر وموت الأطفال وفظائع سجون بشار الأسد، كلّ ذلك تحت دعاوى طائفية، ومارست التكبر المستمر عندما نصحتها دول خليجية بعدم التورط في الملف السوري، ولم تستمع للنصيحة التركية بالانسحاب طبقًا لمذكرات وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان.
استمرَّت إيران في غوايتها في شيطنة الثورة السورية وذهب وزير خارجيتها عبد اللهيان على رأس وفد أمني إلى ألمانيا وبلدان أوروبية أخرى، ليشرح لهم أنّ الثوار السوريين محض إرهابيين وتكفييريين يهددون السلم في سوريا وما حولها.
ألم تحمل إيران راية تفتيت العراق وتدمير الثورة السورية وإفساد المجال السياسي في اليمن عبر الحوثي، وتهديد جيران اليمن؟ وتجلت سكرة القوة والغطرسة واستعراض العضلات هذه الأيام في توجيه صواريخها إلى مدنٍ خليجية، وإلى دولٍ وسيطة مثل قطر وعمان، وتهديد أمان السكان في هذه الدول. ألم تفعل إيران كلّ ذلك؟ لماذا يُتجاهَل دورها السيئ في المنطقة ويُحصَر في صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل؟
أكتبُ الآن وفي بالي حالة إضفاء أوهام على دور إيران في المنطقة، لدرجة أن يغرِّد أحدهم ويدَّعي أنّ إيران سلّمت السلاح إلى البوسنة في حربها، ثمّ يردّ الصحفي أسعد طه -وهو المراسل من البوسنة في سنوات الحرب- بنفي المعلومة، فلا يرضى الناس أو الجمهور بهذا التصحيح. هي حرب سردية تُبيِّض صفحة إيران وتقرنها بالحضارة والتمدن والنضال.
جواد ظريف والانتقاص من العرب في مذكراته
قد أذكِّر القارئ بمذكرات وزير خارجيتها جواد ظريف التي يشيع فيها الانتقاص والتكبر على جيرانها، ووصمهم بأنّهم أقلّ حضارةً وتمدنًا، واعتبار إيران نفسها شرطي الخليج وأسياد المنطقة، وبهذا الفهم ندرك مدى جرأتهم على تهديد السلم لجيرانهم.
يقول جواد ظريف في مذكراته: «وهنا لا بدّ من الانتباه إلى نقطتين: أوّلًا، القوة المتفوّقة لإيران في مقابل دول جنوب الخليج الفارسي واضحة من حيث الجغرافيا، والثروة البشرية، والموارد الطبيعية، والخلفية التاريخية والحضارية، ولا تحتاج إلى تأكيدها. الإصرار في الكلام على القدرة قبل كلّ شيءٍ هو علامة الضعف وعدم الثقة بالنفس. ومن ناحيةٍ أخرى، فإنّ تأكيد القدرات والدعاية بشكلٍ علنيٍّ هو قبل كلِّ شيء أداةٌ لتعزيز التهديد الأمني من قبل المنافسين».
ثمّ يستمر بالقول: «هناك حكمة كبيرة في المثل الفارسي الشهير: “المسْكُ هو ما ينضح بعطره، وليس ما يُخبِر عنه العطّار”. وبحسب كلام الرئيس الأمريكي الأسبق ثيودور روزفلت: “كُن قويًّا، ولكنْ تكلّم باللين”. إيران هي الدولة الوحيدة بين جيرانها التي لديها تاريخ حضاريٌّ مستمرٌّ، فالدول الأخرى ناتجة عن الانقسامات والخطوط الاستعمارية التي أنتجتها السلطنة العثمانية أو بعد انهيارها على يد بريطانيا».
جدير بالذكر عدم دقة هذا الفهم لتاريخ منطقة الخليج والجزيرة العربية، لكنّها الغواية والعمى في قراءة الجغرافيا والتاريخ.
يعود جواد ظريف ويؤكد: «لكنّ إيران دولة، حضارة، وهي تتفوق على الدول المجاورة في مستوى إجمالي عناصر القوّة كالموارد الطبيعية، والموقع الجغرافي، وعدد السكان، والقوّة البشرية قبل الثورة، وفي الفترة البهلوية الثانية تحديدًا، أُضيف إلى هذه الحالات ارتباطٌ خاصٌّ بنظام الهيمنة، فأصبحت إيران شرطيَّ المنطقة».
ويضيف جواد ظريف: «يعتقد بعض المديرين الإيرانيين، خطأً، بأنّ الآخرين، لا سيّما الجيران منهم، يجب أن يخافوا دائمًا من إيران. إذا بحثنا عن جذور مشكلاتنا مع دول المنطقة، فسنجد أنّ التحديات تكمن في مضمون هذه المقولة. نحن، وبدلًا من أن نؤمن بأنّ علينا التعامل مع المنطقة على أساسٍ أبويٍّ ومتسامح، نعتقد أنّهم يجب أن يشعروا بالخوف وانعدام الأمان، لأنّهم ظلمونا، ولأنّهم اعتدوا علينا وقتلوا أهلنا، وسمحوا بالفعل بكلّ هذه الاضطهادات. لكن يجب أن نعلم بأنّه كلّما زاد قلقهم ازداد توجُّههم نحو القوى الخارجية. لا نتحدّث عن الحكّام فحسب، بل إنّ الشعوب تميل أيضًا نحو هذا الاتّجاه».
هذه هي تصورات وزير خارجية يطلب من رفاقه التعامل الأبوي مع جيرانه لأنّه -بزعمه- صاحب حضارة عريقة والبقية أقل منه، في شواهد وأمثلة عديدة من المذكرات تؤكد هذا الحقد والمراوغة من كتاب «صمود الدبلوماسية.. مذكرات ثماني سنوات في وزارة الخارجية».
هذه هواجس كتبتها بعد سماع دوي اعتراض الصواريخ الإيرانية، تذكيرًا بغوايات إيران وعبثها الأمني والسياسي، وخطوطها الحمراء التي تقلَّصت، لأنها بَنَتْها في بلاد لا تخصُّها، وهي ترفض إرادة أبناء المنطقة وسعيهم للحرية. وقدّمت إيران مصالحها السياسية والعسكرية على حرية الشعوب وأمنها. ولا يُستغرَب من إيران كسر قواعد حُسن الجوار وهي التي واجهت المظاهرات ضدّها بالقتل والترهيب. إيران ليست نموذجًا مغريًا ببساطة، لكن تبقى المعضلة الأصعب في منطقتنا هي: من يوقف وحشية إسرائيل وضلالها القديم الجديد وتهجير لبنان وممارستها الإبادة باستمرار؟ يحتاج الكاتب ليذكِّر ببديهيات خطيئة التهجم على إيران من قِبل الولايات المتحدة، وجنون نتنياهو القديم بالخطر الإيراني، وممارسة البلطجة والعربدة الإسرائيلة في المنطقة، وجريمة الاعتداء على المدنيين في إيران، وقتل الأطفال في مدرسة.
قال المرشد الإيراني آية الله خامنئي ذات مرة: «لقد صعدت سفوح التلال، واقتربت من قمة الجبل»، ومع موت المرشد يتساءل البعض: هل تنتهي الجمهورية بعد وصولها إلى قمة الجبل؟ وهل يمكن أن يتزلزل هذا الجبل وتخرّ تلك الدولة/القضية؟ يخاف البعض من البدائل الأسوأ القادمة، لكن هذا الجبل يضرب جيرانه تحت سياسة «علَيَّ وعلى أعدائي»، وهي سياسة فيها كثير من الخطل، مِن قتل طفلة في الكويت برئية بشظية من صاروخ، وترهيب الآمنين في بيوتهم، وإشاعة الرعب بينهم.





