آراء

وهم الأيدلوجيات.. و صراع المصالح الصراع بين ايران و الولايات المتحدة أنموذجاً

مارس 3, 2026

وهم الأيدلوجيات.. و صراع المصالح الصراع بين ايران و الولايات المتحدة أنموذجاً

حين ننظر إلى الصراعات التي تدور في محيطنا الخليجي، قد يبدو في ظاهرها أنّها صراعات عقائدية أو أيديولوجية، حيث تُرفع فيها الشعارات الكبرى، وتُستخدم فيها مفردات الهوية والانتماء والمظلومية والتاريخ، كالصراع الحالي بين الكيان المحتل وتقوده الولايات المتحدة وبين فارس الإيرانية الشيعية، وابتداءً من تعليمات يهودية تلمودية هناك وبين ثارات إسلامية شيعية هنا، فتُقدَّم للجماهير بوصفها معارك وجودية بين حقٍّ وباطل أو بين هويات متصارعة، لكن  عند قراءة التاريخ السابق للأحداث  بهدوء، بعيداً عن ضجيج اللحظة وانفعالاتها، تتكشّف لنا حقيقة أكثر بساطة وأكثر عمقاً في آنٍ واحد وهي أنّ الصراعات الكبرى لم تكن في جوهرها صراعات أفكار بقدر ما كانت صراعات مصالح، وأنّ الأفكار في كثيرٍ من الأحيان لم تكن سوى اللغة أو الأداة الظاهرة  التي تُقدَّم بها المصالح، وليست الدافع الحقيقي لها.

فالإمبراطوريات عبر التاريخ لم تتحرك بدافع نشر فكرة مجرّدة على طول الخط الزمني، بل كثير منها و أغلبها كانت تحركاتها بدافع توسيع نطاق نفوذها، وتأمين مصالحها، وضمان استمرار قوتها وبقائها في موقع التأثير. فالفرس، والروم، والبريطانيون، وغيرهم، استخدموا الخطاب الأيديولوجي أحياناً لتبرير توسعهم، ولكن قراراتهم الفعلية كانت تُبنى على حسابات دقيقة تتعلق بموازين القوة والنفوذ، والمواقع الإستراتيجية والمنافع المادية، والسيطرة على الموارد، وتأمين طرق التجارة، ومنع الخصوم من تحقيق تفوق على الخريطة ، وهذا ليس انحرافاً عن مسار التاريخ، بل هو مسار التاريخ ذاته إن كنا نريد الصدق، حيث تتحرك الدول وفق منطق البقاء والاستمرار، بعيداً عن منطق الشعارات المجردة.

وفي هذا السياق، تصبح منطقتنا المنطقة الخليجية، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها الاقتصادي، جزءاً محورياً من هذه المعادلة الصعبة من المعركة، فهي ليست مجرّد مساحة جغرافية، بل هي مركز استقرار في بيئةٍ مضطربة جداً، ومركز  وفرة في عالم يفتقر الى الوفرة، ومركز توازن في منطقة تعيش حالة إعادة تشكّل مستمرة يملؤها التوتر في موازين القوى، ولهذا، فإنّ ما يحدث حولنا لا يمكن فهمه من خلال الخطاب المعلن فقط، بل من خلال قراءة أعمق لطبيعة التحوّلات التي تجري في ميزان القوة الإقليمي، ولطبيعة المصالح التي تسعى القوى المختلفة إلى تأمينها أو حمايتها.

ولعلّ أهم ما يجب على الدولة الخليجية الحديثة هو أن تدرك  هذه الحقيقة، فتبني استقرارها على أسس مؤسسية راسخة، وعلى علاقات متوازنة مع مختلف القوى، وعلى فهم واقعي لطبيعة البيئة التي تتحرّك فيها، وكما ينبغي عليها أن لا تنجرف وراء الشعارات العابرة الايدلوجية، ولا تُبني قراراتها على ردود الأفعال المؤقتة، بل على قراءة دقيقة ومعمقة لمعادلات القوة الآن، وعلى إدراك أنّ الاستقرار لا يُبنى بالعاطفة، بل يُبنى بالبصيرة والتبصر  الإستراتيجي، فالوعي الحقيقي لا يتمثّل في اختيار طرف ضدّ طرف، بل في فهم طبيعة اللعبة السياسية و المعركة ذاتها، وفهم أن الصراعات تُدار وفق حسابات المصالح قبل أيّ شيءٍ آخر.

شارك

مقالات ذات صلة