Blog

مستقبل الطالب السوري والعدالة التعليمية

فبراير 8, 2026

مستقبل الطالب السوري والعدالة التعليمية

عبد الله كفرناوي

لم يكن التعليم في سوريا يوماً مجرّد مسار أكاديمي فردي، بل شكّل على الدوام انعكاساً مباشراً لطريقة إدارة المجتمع لمستقبله وخياراته الكبرى. فالطالب السوري لم يتلقَّ العلم في فراغ، بل ضمن سياق سياسي واجتماعي واقتصادي معقّد، جعله في كثيرٍ من الأحيان متلقياً لقراراتٍ مصيرية لم يكن شريكاً في صنعها، لكنّه كان أول من دفع ثمنها. وبين الماضي والحاضر والمستقبل، يقف الطالب السوري شاهداً حياً على مسار طويل عنوانه الإجحاف، ثمّ إصلاح، وصولاً إلى تطلع مشروع نحو عدالة تعليمية حقيقية.

في الماضي، ورغم ما كان يبدو من استقرارٍ نسبي في البنية التعليمية، عانى التعليم في سوريا من أشكالٍ متعدّدة من عدم الإنصاف. تجلّى ذلك في تفاوت الفرص بين المناطق، وغياب العدالة في القبول والتوزيع، وضعف المرونة في الأنظمة التعليمية، إضافة إلى ربط بعض المسارات التعليمية بعوامل لا علاقة لها بالكفاءة أو الاستحقاق. ومع ذلك، بقي التعليم بالنسبة لكثيرٍ من الطلاب أملاً مشروعاً ومساراً واضحاً نسبياً للارتقاء الاجتماعي وتحقيق الذات، لمن استطاع الاستمرار والتكيّف مع تلك الشروط.

أمّا الحاضر، فقد جاء مثقلاً بتراكمات الحرب والانقطاع القسري، ليحوّل معاناة التعليم من حالاتٍ فردية محدودة إلى تجربةٍ جماعية واسعة. لم يعد الظلم حالة استثنائية، بل أصبح واقعاً يومياً يعيشه الطالب السوري داخل البلاد وخارجها. طلاب حُرموا من مدارسهم وجامعاتهم، وآخرون توقفت مسيرتهم الأكاديمية لسنواتٍ طويلة، وغيرهم وجدوا أنفسهم عالقين بين أنظمة تعليمية مختلفة، وشهادات غير معترف بها، وقرارات متبدلة علّقت مستقبلهم العلمي والمهني في حالة انتظار مرهقة ومفتوحة النهاية.

لقد دفع الطالب السوري ثمناً مضاعفاً، لا بسبب ظروف الحرب فقط، بل أيضاً نتيجة غياب السياسات التعليمية العادلة التي تراعي وضعه الاستثنائي. ففي كثير من الحالات، طُلب منه أن يلتزم بمعايير صُمّمت لواقع مختلف، دون أي اعتبار لما فقده من وقت واستقرار وأمان. وهكذا تحوّل التعليم، الذي كان يفترض أن يكون أداة للإنقاذ، إلى عبء إضافي يزيد من الإحباط والشعور بالتهميش.

اليوم، لسنا بصدد إنكار الماضي أو تبرير الحاضر، بل نؤكد على ضرورة الاعتراف بما حدث بوصفه خطوة أولى لا غنى عنها للإصلاح. فبناء مستقبل تعليمي سليم يبدأ بتسوية هذا الإجحاف بشكلٍ واضح وعادل، عبر أنظمة أكثر مرونة وإنصافاً، تعترف بالانقطاعات القسرية، وتقدّر الظروف التي فُرضت على الطالب السوري خارج إرادته، وتفتح أمامه مسارات حقيقية للاستكمال والتعويض دون تعقيد أو إقصاء.

المستقبل الذي نطمح إليه ليس ارتجالياً ولا قائماً على حلول مؤقتة، بل مستقبل رصين ومستدام، يقوم على تعليم يوازن بين الجودة والعدالة، ويحافظ على المعايير الأكاديمية دون أن يحوّلها إلى أدوات إقصاء. مستقبل يضع الإنسان في صلب القرار التعليمي، ويحوّل التجربة القاسية التي مرّ بها الطالب السوري إلى مصدر وعي وقوة معرفية، لا إلى عائق دائم يقيّده في كلّ مرحلةٍ من حياته.

نحن لا نطلب امتيازات خاصة، ولا نسعى إلى تجاوز القواعد، بل نطالب بعدالة تعليمية حقيقية تجعل من التعليم جسراً للتعافي والبناء، لا حاجزاً جديداً أمام جيل أنهكته الظروف وفُرضت عليه خيارات لم يخترها. عدالة تعيد للطالب السوري ثقته بأنّ جهده لن يضيع، وأنّ مستقبله ما زال ممكناً.

بين سوريا التي عرفت الإجحاف، وسوريا التي نعمل من أجلها، يبقى الطالب السوري عنصراً حاسماً في أيّ مشروع نهوض حقيقي. فإن صلح التعليم، صلح معه المستقبل، وإن أُهمل، ضاعت فرصة جيل كامل في المساهمة ببناء وطن أكثر عدلاً وإنسانية.

 

شارك

مقالات ذات صلة