مجتمع

تجنيد القاصرات ضمن إيديولوجيا وبُنى قسد

فبراير 4, 2026

تجنيد القاصرات ضمن إيديولوجيا وبُنى قسد

عندما تُطرح مسألة تجنيد القاصرات في مناطق نفوذ قوات سوريا الديمقراطية، غالباً ما يجري التعامل معها بوصفها ملفاً حقوقياً معزولاً. غير أنّ هذا التناول يختزل الإشكالية ويُبعدها عن سياقها الأوسع. فالتجنيد، وخصوصاً حين يطال فتيات دون 18، لا يمكن فهمه خارج المنظومة الفكرية والتنظيمية التي تسمح بحدوثه، أو تتسامح معه، أو تعجز عن منعه. السؤال، في جوهره، ليس أخلاقياً فحسب، وإنّما سياسي وفكري: ما الذي تقوله هذه الظاهرة عن العلاقة بين الإيديولوجيا التي تتبنّاها قسد، وبناها العسكرية والإدارية، وحدود قدرتها على ضبط نفسها؟

الإيديولوجيا: تعريف الذات وموقع المرأة

تقدّم قوات سوريا الديمقراطية نفسها كحاملٍ لمشروعٍ سياسي واجتماعي يتجاوز الدولة القومية المركزية، ويستند إلى مفاهيم اللامركزية، والديمقراطية القاعدية، وبناء المجتمع من الأسفل إلى الأعلى، وهي مفاهيم تُنسب عادةً إلى أدبيات “الكونفدرالية الديمقراطية”. في هذا الإطار، تُطرح المرأة بوصفها فاعلاً أساسياً في عملية التحوّل الاجتماعي، لا كموضوعٍ للحماية أو كفئة هامشية. وتُستعمل مفردات مثل “التمكين” و”القيادة المشتركة” و”الدفاع الذاتي” بوصفها علامات على قطيعة مع أنماط سلطة قديمة.

هذا الخطاب يقوم على إعادة توزيع الأدوار داخل المجتمع، ويمنح المشاركة قيمة تأسيسية. غير أنّ المشاركة لا تُفهم، في كثيرٍ من الاستخدامات العملية، بوصفها مساحة اختيار مفتوحة، وإنّما بوصفها معياراً للوعي والانتماء. وعندما يُسقط هذا المنطق على الفتيات، يجري التعامل معهن من زاوية الدور الذي يمكن أن يؤدينه داخل الجماعة، فيما يتراجع الاعتبار المرتبط بمرحلة العمر وما تفرضه من ضوابط قانونية. هكذا يُعاد ترتيب المفاهيم، بحيث يسبق الانخراط معيار الأهلية، ويغدو السؤال عن السنّ تفصيلاً إدارياً أمام ما يُعرَّف كحاجةٍ سياسية أو أمنية.

من الخطاب إلى الآلية

رغم الحضور اللافت للخطاب المدني، تبقى البنية العسكرية مركز الثقل الفعلي داخل منظومة قسد. فالسلاح هو ما يضمن السيطرة والاستمرارية، وهو ما يمنح القيادة العسكرية وزناً يتجاوز المؤسسات الإدارية. في مثل هذه الترتيبات، تُعاد صياغة الأولويات وفق مقتضيات الأمن والدفاع، ويُعاد تعريف المجتمع بوصفه خزّاناً للجاهزية أكثر من كونه مجالاً لحقوقٍ فردية غير قابلة للتأجيل.

ضمن هذا المنطق، يُنظر إلى الفتاة من خلال قابليتها للاندماج في منظومة “الدفاع الذاتي”، لا من خلال موقعها القانوني كقاصر. الضرورة الأمنية تتحوّل إلى معيارٍ تفسيري، يسمح بتجاوز الحدود التي تضعها القوانين الدولية، من دون الحاجة إلى إنكارها صراحةً. وتظهر هنا مفارقة هادئة: حين تصبح المؤسسة العسكرية هي الضامن الأبرز للمشروع السياسي، تُقاس جدوى المفاهيم بمدى خدمتها للأمن، لا بمدى اتساقها مع المعايير التي جرى إعلانها في البداية.

 

المعطى الخبري: ما تقوله الأرقام والشهادات

وفق تقارير الأمم المتحدة حول الأطفال والنزاع المسلح، تمّ التحقق من مئات حالات تجنيد الأطفال في سوريا خلال الأعوام الأخيرة، بينها عشرات الحالات المنسوبة إلى قوات سوريا الديمقراطية وجهات شبابية مرتبطة بها. هذه الأرقام، رغم أنّها لا تفصل دائماً بين الذكور والإناث، تضع الظاهرة ضمن إطار بنيوي لا يمكن تجاهله، لأنّها تُظهر أنّ المشكلة ليست أثراً جانبياً طفيفاً. وهي تُظهر أيضاً أنّ التعهدات المعلنة لا تكفي وحدها لضبط الممارسة حين لا تتوافر أدوات رقابة مستقلة.

إلى جانب الأرقام، ظهرت خلال الأسابيع الأخيرة شهادات لفتيات قاصرات تحدثن عن انتقالهن إلى مراكز تدريب بعد استقطاب عبر أنشطة شبابية أو دورات ثقافية، قبل انقطاع التواصل مع العائلات لأشهر. قيمة هذه الشهادات، حتى عندما تُروى في إطارٍ صحفي، أنّها تتقاطع في بنيتها وتفاصيلها، وتشير إلى نمطٍ متكرر لا إلى حالات فردية. كما أنّها تُعيد طرح سؤال شديد الحساسية: إن كانت المؤسسة قادرة على إنتاج خطاب تحرري متماسك، فلماذا تعجز عن إنتاج نظام تدقيق داخلي يمنع وصول القاصرات إلى الحلقة الأكثر قسوة في المنظومة؟

السياق الاجتماعي: الهشاشة والفراغ

لا يمكن فهم هذه الآلية بعيداً عن السياق الاجتماعي الذي تعمل فيه. فسنوات الحرب والنزوح وتفكك المؤسسات التعليمية أضعفت شبكات الحماية التقليدية. في هذا الواقع، تصبح الفتاة أكثر عرضة للتأثير، ليس فقط بسبب الخطاب الإيديولوجي، وإنّما بسبب غياب البدائل: مدرسة غير منتظمة، سوق عمل شبه مغلق، أسرة مثقلة بالنزوح، ومجال عام يتعامل مع الأمن كأولوية يومية.

الانخراط التنظيمي يُقدَّم كمسارٍ يمنح هويةً ومعنىً، ويعوّض عن الفراغ الذي خلّفته الحرب. في هذا السياق، تُعاد صياغة الفتاة بوصفها مشروع التزام مستقبلي، فيما يُهمَّش بعدها كذات في طور النمو تحتاج إلى حماية قانونية ونفسية. هذا التداخل يجعل مفهوم “الاختيار” إشكالياً، لأنّه يُتخذ ضمن شروط غير متكافئة. كما يجعل الخطاب قادراً على تحويل هشاشة اجتماعية إلى “مادة تنظيمية”، من دون أن يضطر إلى الإعلان عن ذلك.

القانون: مرجعية معلّقة

تؤكد قسد في بياناتها التزامها بالمعايير الدولية لحماية الأطفال، وقد وقّعت منذ عام 2019 خطة عمل مع الأمم المتحدة لإنهاء تجنيد القاصرين. غير أنّ وجود الالتزام لا يعني فاعليته في غياب مؤسسات رقابية مستقلة وآليات مساءلة واضحة.

في هذا السياق، يتحوّل القانون إلى مرجعيةٍ تُستدعى عند الحاجة، وتُعلّق عند التعارض مع متطلبات التنظيم. هكذا يُستبدل التصنيف القانوني للقاصرين بمنطق الانخراط، من دون إعلان صريح، وإنّما عبر تراكم ممارسات تُنتج واقعاً مختلفاً عن النصوص المعلنة. ومع الوقت، يصبح الاستثناء هو القاعدة العملية، وتتحوّل القاعدة إلى عبارةٍ صالحة للاقتباس في البيانات.

في معنى التحرر

يستدعي هذا الواقع إعادة النظر في مفهوم “تحرير المرأة” كما يُستخدم داخل الخطاب. فإذا كان التحرر يعني توسيع أفق الخيارات أمام الفرد، فإنّ إدخال القاصرة في مسارٍ عسكري مغلق يصعب اعتباره توسعةً فعلية. المشاركة هنا لا تُطرح كأحد الاحتمالات، وإنما كمسار مفضّل أخلاقياً، ويُعاد تعريف النضج السياسي بقدرته على الاحتمال والانضباط.

هذا الفهم يمنح التضحية المبكرة قيمةً رمزية، ويحوّلها إلى معيارٍ للوعي والانتماء. وعندما يُطبَّق على فئاتٍ لم تكتمل أهليتها القانونية، يفرغ مفهوم التحرّر من مضمونه الحقوقي، ويعيد إنتاج علاقة سلطة تحت لغة مختلفة. المفارقة أنّ الخطاب قد يربح معركة التعريفات، ثمّ يخسر معركة الحدود: أين تقف المشاركة، وأين تبدأ التعبئة، وأين يصبح “التمكين” تسميةً أخرى لنقل القاصر من فضاء الحماية إلى فضاء الوظيفة؟

لا يمكن النظر إلى تجنيد القاصرات بوصفه مسألةً عارضة أو منفصلة عن الإطار العام الذي تُدار فيه البنى السياسية والعسكرية. تكرار الوقائع والنقاشات المرتبطة بها يلفت الانتباه إلى فجوةٍ قائمة بين الخطاب المعلن والممارسة اليومية، وإلى الحاجة الدائمة لضبط الحدود التي تفصل بين المشاركة والحماية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بفئات لم تكتمل أهليتها القانونية.

في هذا السياق، يكتسب الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية دلالته بوصفه محطةً تنظيمية جديدة، تُعاد فيها صياغة الأدوار وتوضيح الصلاحيات. مثل هذه الترتيبات لا تحمل في ذاتها إجابات نهائية، لكنّها تتيح إطاراً أوضح يمكن ضمنه التعامل مع القضايا الحساسة وفق معايير أكثر انتظاماً، وفي مقدمتها حماية القاصرين.

يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة هذا المشروع على إجراء مراجعة حقيقية، لا على مستوى الخطاب، وإنّما على مستوى إعادة بناء الحدود بين السياسة والسلاح، وبين التمكين والحماية. هذه المراجعة وحدها يمكن أن تحدد ما إذا كان الخطاب التحرري قادراً على تصحيح مساره، أم أنّه سيبقى أسير مفارقة يُنتجها بقدر ما يسعى إلى نفيها.

شارك

مقالات ذات صلة