مدونات

من ركام الحرب إلى محور الاستقرار الإقليمي

يناير 31, 2026

من ركام الحرب إلى محور الاستقرار الإقليمي

عبد الرحمن عبد القادر المغربي

يشهد الشرق الأوسط لحظة إعادة تشكيل عميقة بعد عقدين من النزاعات، تتراجع فيها نيران الحروب لصالح ترتيبات جديدة للأمن والاستقرار. فالمعارك التي اجتاحت العراق ولبنان واليمن وسوريا، ثمّ امتدت إلى غزّة ولبنان مجدداً، حوّلت الإقليم إلى ساحة تنافس مفتوحة بين القوى الدولية المتصارعة. غير أنّ التطورات الأخيرة، المتمثلة بتراجع النفوذ الإيراني المسلح في معظم هذه الدول ووقف إطلاق النار في غزّة، توحي بأنّ المنطقة تتجه نحو مرحلة من الهدوء السياسي النسبي قد تفتح الباب أمام ترتيبات جديدة تعيد رسم توازنات الإقليم. 

سوريا بعد الحرب.. رهان الوحدة والسيادة

 بعد سقوط النظام السابق قبل عام، دخلت سوريا مرحلة إعادة تشكّل بقيادة الرئيس أحمد الشرع، الذي تولّى إدارة دولة منهكة بعد حربٍ شعواء استمرت 14 عامًا وأودت بحياة أكثر من مليون إنسان. ورغم التدهور الاقتصادي الحاد وعجز السيولة الناتج عن فقدان الأصول والمدخرات في عهد النظام السابق، تمكنت الحكومة الجديدة من دمج عدد من الوزارات ووضع خطة أولية لتشغيل المؤسسات وإعادة تدوير عجلة الحياة، بدعمٍ من المجتمع الدولي الذي أبدى استعداداً واضحاً للتعاون مع دمشق الجديدة. 

ومع تبدّل الأولويات الإقليمية، باتت سوريا في صدارة المشهد بوصفها الدولة التي سيحدد استقرارها ملامح الشرق الأوسط القادم. فالمجتمع الدولي يرى أنّ توحيد الجغرافيا السورية شرط جوهري لإنهاء دوامة الفوضى، لكنّه في الوقت ذاته يشدد على ضرورة احترام حقوق المكونات الأقل عدداً، وضمان قدر من الحكم المحلي الذاتي بما يحقّق التوازن بين المركز والمحيط. 

 

من تجربة العراق إلى خصوصية سوريا 

تُعدّ تجربة العراق بعد عام 2005 نموذجاً يمكن الاستفادة منه دون استنساخه، إذ سمحت بتوزيع الصلاحيات إدارياً واقتصادياً ضمن إطار الدولة الواحدة. هذا النوع من اللامركزية المتوازنة قد يكون مناسباً لسوريا، خاصة في الشمال الشرقي حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية وتدير مؤسسات مدنية مستقلة منذ سنوات.

إسرائيل والعامل الدولي

 تؤدي إسرائيل دوراً محورياً في المشهد السوري الراهن. فوقف ضرباتها الجوية داخل الأراضي السورية وبدء اتصالات غير مباشرة مع حكومة الشرع يعكسان تحوّلاً في المقاربة الإسرائيلية، ولا سيما الحديث عن اتفاق أمني محتمل بين الطرفين كخيارٍ إقليمي أفضل من اقتراب النفوذ الإيراني من الحدود الشمالية لإسرائيل. 

وفي الوقت ذاته، تشهد السياسة الدولية توافقاً نادراً حول دعم وحدة سوريا، إذ تلاقت مواقف الولايات المتحدة وتركيا والدول العربية والأوروبيين في رؤية مشتركة بعد أن كان تباينها سبباً رئيسياً في إطالة أمد الحرب سابقاً.   

التحدي الاقتصادي.. معركة البقاء 

تواجه البلاد في هذه المرحلة انهياراً اقتصادياً واسعاً، إذ تراجعت الصناعة والزراعة والليرة السورية إلى مستوياتٍ حرجة، فيما تعاني البلاد من نقصٍ حاد في المحروقات والكهرباء. ولا يمكن لسوريا أن تتعافى دون دعم خارجي مباشر، واستثمارات واسعة، ورفع للعقوبات المفروضة عليها، ولا سيّما تلك المرتبطة بقانون قيصر. 

لكن هذا الدعم يبقى مشروطاً بتقدّم عملية المصالحة الوطنية، فالمجتمع الدولي يشترط تحقيق الاستقرار الداخلي قبل الالتزام بتمويل الإعمار. وفي المقابل، فإنّ استقرار الأراضي السورية واندماجها التدريجي في مؤسسات الدولة سيعزّزان الثقة الدولية ويعيدان فتح قنوات التمويل والإعمار، ويُتوقع أن تؤدي الشركات الإقليمية، خصوصاً الخليجية والتركية، دوراً محورياً في هذه المرحلة متى ما أثبتت الحكومة جديتها في الإصلاح والانفتاح.   

طريق الإصلاح والدمج الوطني 

يرى المراقبون أنّ خارطة الطريق نحو سوريا مستقرة تقوم على مسارين متوازيين: 

  1. ترسيخ الحريات السياسية والإعلامية واستقلال القضاء، وتفعيل البرلمان المؤقت ليعكس إرادة تمثيلية حقيقية.
  2. قيام المكونات الأقل عدداً بخطواتٍ واضحة نحو الاعتراف بسيادة الدولة المركزية مقابل ضمانات بحكمٍ محلي محدود. 

نحو سوريا جديدة رغم ضخامة التحديات

 تبدو سوريا اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف ذاتها كدولةٍ موحّدة ذات سيادة، منفتحة على جيرانها، قادرة على التحوّل من ساحة صراع إلى ركيزة استقرار في الشرق الأوسط. وإذا نجحت دمشق الجديدة في الحفاظ على توازنها الداخلي واستثمار الثقة الدولية المتنامية، فقد تولد من بين أنقاض الحرب دولة جديدة تُعيد لسوريا موقعها الطبيعي في قلب الإقليم.

شارك

مقالات ذات صلة