مدونات
الكاتب: محمد أبو نجد
يُفهم من العنوان أنّ مادة هذا المقال متصلة بالرافعي، لا من خلال كتابه الأشهر وحي القلم وحده، بل من خلال ما يمكن تسميته وحيه الفكري والإنساني، كما يتجلّى في مقالاته المجهولة. والوحي، في أصل معناه، هو الإعلام الخفي السريع، وهو معنى يتناول الإلهام الفطري للإنسان، والإشارة الرمزية، وسائر صور الإيحاء الخفي. ومحل هذا المقال هو وحي الرافعي الإنساني؛ أيّ إلهامه الفطري في التفكير والبيان، كما يتجلّى في مقالاته المجهولة التي جمعها الأستاذ وليد عبد المجيد كسّاب، وهو قراءة في نواحٍ منها.
قصتي مع وحي القلم
إذا ذُكر الرافعي، ذُكر معه وحي القلم. وقبل نحو تسع سنوات، حين بدأت عادة القراءة تستقر لدي، وُفّقت في اقتناء الكتاب في طبعته ذات الأجزاء الثلاثة. بدأت بقراءة مقالته الأولى «اليمامتان»، فأتممتها وأنا أشعر بنفور لا أجد له تفسيرًا واضحًا؛ إذ بدا لي أسلوبه رتيبًا وادعًا، لا حرارة فيه فيما أدركته آنذاك. خرجت من المقالة دون أثرٍ معرفي يُذكر، مع إقرارٍ لا مراء فيه بجمالها البلاغي. فعزوت ذلك إلى قصور في أدواتي، ولم أشأ أن أنزل الرافعي عن مكانته التي يستحقها في الأدب والدفاع عن القرآن.
ومرت مدة، فأعدت القراءة، فكان الأثر قريبًا من الأول، ولم أُفلح – مهما حاولت – في تجاوز الجزء الأول، رغم حرصي على إتمام الكتب التي أبدأها. ومع ذلك ظلّ وحي القلم كتابًا أعتز بوجوده في مكتبتي، وأضعه في مصاف كتب عالية القدر عندي.
الرافعي في مقالاته المجهولة
لا أذكر على وجه التحديد كيف وقفت على مقالات الرافعي المجهولة، غير أنّني ما إن حصلت عليها حتى قرأتها كاملة في يومين. وهنا بدا لي الرافعي مختلفًا: أكثر مباشرة، وأشد حيوية، وأقرب إلى الجدل الفكري الحي منه إلى الأسلوب التأملي الإنشائي الذي عرفته في وحي القلم… أو هكذا خُيّل إليّ. ولأنّ هذه المفاضلة مبنية على قراءةٍ قديمة، لا على مقابلة نصية راهنة، فإنّي أكتفي هنا بما استخلصته من هذه المقالات وحدها.
الرافعي شاعرًا
نظم الرافعي الشعر منذ شبابه، وصدر له ديوانان في مطلع القرن العشرين. وقال متغزلًا:
يا مَن على البُعدِ يُنسينا ونذكرهُ
لسوفَ تذكرُنا يومًا وننساكا
إنَّ الظلامَ الذي يَجلوك يا قمرُ
له صباحٌ متى تُدركه أخفاكا
غير أنّ الأهم من نظمه للشعر هو تصوره العميق لماهية الشعر ومعاييره. يقول في تحديده لأحسن بيتٍ يُقال:
«فإنّ من الشعر حكمة، ومن البيان سحرًا، وإنّ أحسن بيت يُقال ما جرت به الألسن في ميادين الأمثال…»
(مقالات الرافعي المجهولة، ج1، ص40).
وهذا المعيار الذي قرّره الرافعي يفسر شيوع بعض الأبيات واستقلالها بالحكمة، من نحو قولهم:
الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتَها
أعددتَ شعبًا طيّبَ الأعراقِ
وقولهم:
ما حكَّ جلدَك مثلُ ظفرِك
فتولَّ أنتَ جميعَ أمرِك
وقول المتنبي:
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ
وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
فهذه الأبيات لم تخلد لجمال نظمها وحده، بل لأنّها لامست معنى عامًا، وجرت بها الألسن، وصارت ميزانًا يُحتكم إليه.
ويؤصل لذلك شعوريًّا وعقليًّا معًا فيقول:
«لا يكون من الشعر ما إذا نطقت به لا تشعر بقلبك يهتز، وفكرك يتحرك، وعقلك يتنبه، ولسانك برنين معانيه كأنّه جرس يدق».
(مقالات الرافعي المجهولة، ج1، ص43).
ثمّ يضع الأساس النظري لفلسفة الألفاظ الشعرية وصناعتها بقوله:
«إنّها ألفاظ من الكلام، غير أنّ الشعر يضع فيها الكلام والموسيقى معًا، فتخرج بذلك من طبيعة اللغة العامة القائمة على تأدية المعنى بالدلالة وحدها، إلى طبيعة لغة خاصة أرقى منها، تؤدي المعنى بالدلالة والنغم والذوق».
(مقالات الرافعي المجهولة، ج2، ص28).
العقل قاضيًا
أن يمر ما في الكتب من هذا الرأس في ثنايا مناقشاته، يعلّمنا الرافعي درسًا منهجيًّا بالغ الأهمية: أنّ العقل هو القاضي على ما يُتلقى. ففي مناقشته النحوية مع العقاد، يرفض التسليم بما في كتب النحو لمجرد وروده فيها، ويقول:
«…بل لا بدّ أن يمر ما في الكتب من هذا الرأس بديًّا، فيجيء مجيئه الأول من ناحية أهله، ثم مجيئه الثاني من ناحيتنا…».
(مقالات الرافعي المجهولة، ج1، ص127).
والرأس هنا هو العقل؛ القاضي الذي لا يقبل قولًا حتى يُمحصه وينظر فيه. ويؤكد هذا المعنى حين يرد على نقل العقاد عن ابن قتيبة بقوله:
«…فما كل ما يقوله ابن قتيبة تقوله الحقيقة…».
(مقالات الرافعي المجهولة، ج2، ص36).
وفي هذا رفض صريح لتحويل الأسماء الكبيرة إلى سلطاتٍ فكرية معصومة.
الكتب التي أفادت الرافعي
يذكر الرافعي حديثه عن قراءاته الأولى، مبينًا طريقته في التحصيل، وموقفه من الكتب المؤثرة فيه، فيقول:
«في أيام التحصيل كنت أقرأ كلّ ما أصابته يدي، وكنت أكثر الملاحظة والوقوف فيها، فلا أعرف كتابًا آمنت منه أكثر ممّا آمنت من غيره، ولكن إن يكن فلعله كتاب في الحديث اسمه (الجامع الصغير)، كنت أحضر به درس أبي –رحمه الله– ثم قرأت من بعد للسيد جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، ثمّ كتاب (سر النجاح) الذي ترجمه شيخنا الدكتور صروف، ثمّ كتب غوستاف لوبون، ثمّ الكتب كلّها».
(مقالات الرافعي المجهولة، ج1، ص103).
خاتمة
بهذا يتجلّى وحي الرافعي لا بوصفه إلهامًا لغويًا حسب(1)، بل منهجًا في التفكير، والقراءة، والنقد، وتكوين العقل. وما أحوج القارئ اليوم إلى هذا الوحي.
(1) أصل الكلمة «حسب»، واستُعملت حديثًا مضافة بالفاء (فحسب)، ويقول الرافعي إنّه من أوائل من استعملها في هذا العصر، وأول من أجراها واتبعها في كتابته، إذ أتى بها في كتابه تاريخ آداب العرب. يقول:
«…واستعملتُها بالفاء تقويةً لمعناها، وتخفيفًا لغرابتها، وليستمر بها الكلام على سننه وينحدر في مجراه؛ فلا تجيء كالمقطوعة منه، ولا تظهر نابية في محلها، ثم تعلّقها الكتّاب بعدُ وأكثروا من استعمالها، حتى فشت في الكتابة، وصارت من مأنوس الكلام، وعرّفوها كأنّها كذا خُلقت بالفاء، وتسمّح فيها بعضهم فلم يدققوا في موقعها من الأسلوب، ولم يراعوا وزنها من العبارة؛ فخرجت في أشياء من الكتابة الضعيفة…».


