مدونات

المعضلة الكردية والهوية الوطنية الجامعة

يناير 11, 2026

المعضلة الكردية والهوية الوطنية الجامعة

يوسف شندي الراوي

تُعد المسألة الكردية في سوريا إحدى أعقد الملفات الجيوسياسية والاجتماعية التي واجهت الدولة السورية منذ نشأتها الحديثة في أعقاب اتفاقية سايكسبيكو وانهيار الإمبراطورية العثمانية.

لم تكن هذه القضية مجرّد مطالبة بحقوق ثقافية أو لغوية لأقلية إثنية، بل كانت انعكاساً عميقاً لأزمة الهوية الوطنية السورية وتباطؤ الأنظمة المتعاقبة في تعريف “المواطنة” ضمن إطار الدولة المركزية.

يمتد الوجود الكردي في الجغرافيا السورية إلى قرون خلت، حيث تداخل الكرد مع نسيج المجتمع والدولة بشكلٍ جعل منهم في فتراتٍ معينة قادة للجمهورية، وفي فتراتٍ أخرى “غرباء في وطنهم” نتيجة سياسات الهندسة الديموغرافية والتمييز القومي.

هذه رؤية شاملة وتفصيلية للحالة الكردية السورية، من جذورها التاريخية والسياسية وصولاً إلى المظلومية والاندماج الكامل، مع استشراف آفاق المستقبل في ظلّ التحوّلات الجذرية التي تشهدها سوريا منذ 2024 وحتى الآن.

الجذور التاريخية والاندماج البنيوي.. الكرد بناة للدولة السورية.

لم يكن الكرد يوماً عنصراً طارئاً على النسيج السوري، بل ساهموا في صياغة التاريخ الإسلامي والسياسي لبلاد الشام بشكلٍ محوري.

ترتبط الذروة الأولى للهجرة الكردية المنظمة إلى سوريا بالحقبة الأيوبية في القرن الـ12 الميلادي، عندما رافقت أفواج كردية القائد صلاح الدين الأيوبي لتأسيس الدولة الأيوبية التي أديرت من دمشق؛ استقرّ هؤلاء المقاتلون وعائلاتهم في مناطق استراتيجية، أبرزها “حيّ الأكراد” (ركن الدين حالياً) بدمشق، الذي نشأ كمنطقةٍ عسكرية خارج أسوار المدينة القديمة وتطور ليصبح معقلاً للنخبة الكردية المندمجة بالكامل في الثقافة العربية والشامية.

خلال الفترة العثمانية، استمرّ الدور الكردي ضمن مؤسسات الدولة، حيث كُلفوا بحماية طرق الحج والحفاظ على الأمن في الثغور الشمالية والداخلية.

توسع المجتمع الكردي في دمشق وحلب نتيجة انضمام مقاتلين من ديار بكر والموصل وكركوك إلى الفيالق المحلية؛ في الشمال السوري، أبرز إمارات وقبائل كردية تمتعت بنفوذٍ واسع، مثل سلالة “جانبولاد” التي حكمت حلب مطلع القرن الـ17، واتحاد قبائل “ميلان” في منطقة الرقة والخابور، الذي منحه العثمانيون سلطة جباية الضرائب وإدارة المنطقة في القرن الـ18.

النخبة الكردية في هرم السلطة السورية (1920 – 1954).

في النصف الأول من القرن العشرين، لم يكن الأكراد السوريون يشكّلون حالة انعزالية، بل كانوا في صلب النضال الوطني ضد الانتداب الفرنسي ومن ثمّ في قيادة الدولة المستقلة.

تظهر السجلات التاريخية أنّ عدداً من رؤساء سوريا وشخصياتها الوطنية الكبرى كانوا من أصول كردية، ممّا يعكس حالة الاندماج العميقة للنخبة الكردية الحضرية في ذلك الوقت.

أبرز الشخصيات السورية من أصول كردية وأثرها في الدولة السورية.

الشخصية الكرديةالمنصب / الدورالفترة الزمنيةالأثر السياسي والاجتماعي والوطني
يوسف العظمةوزير الحربية وقائد معركة ميسلون1920رمز الاستبسال الوطني، رفض الإنذار الفرنسي واستشهد دفاعاً عن استقلال سوريا
إبراهيم هنانوقائد الثورة في الشمال1919 – 1921مؤسس الكتلة الوطنية وأحد أهم رموز النضال ضد الانتداب الفرنسي
محمد علي العابدرئيس الجمهورية السورية1932 – 1936أول رئيس للجمهورية في عهد الانتداب، سليل عائلة دمشقية عريقة
حسني الزعيمرئيس الجمهورية1949قائد أول انقلاب عسكري في تاريخ سوريا الحديث، ورسم بداية تدخل الجيش في السياسة
فوزي سلورئيس الدولة والحكومة1951 – 1953عسكري محترف تولى قيادة الدولة في مرحلة حرجة من تاريخ الاستقلال
أديب الشيشكليرئيس الجمهورية1953 – 1954رسم ملامح السياسة السورية القومية المركزية في الخمسينيات
خالد بكداشأمين عام الحزب الشيوعي1936 – 1995أول شيوعي يُنتخب للبرلمان في العالم العربي؛ رمز التيار اليساري الوطني
محمد كرد عليمؤسس مجمع اللغة العربية1919 – 1953رائد النهضة الفكرية واللغوية بدمشق ووزير المعارف
خير الدين الزركليمؤرخ وأديب ودبلوماسي1893 – 1976صاحب موسوعة “الأعلام” الشهيرة، وأحد كبار المراجع في التراجم العربية
محمد عبد الرحمن تركووزير التربية 2025 – الآنيمثل الاندماج الكردي في مفاصل الدولة السورية الجديدة

“بغض النظر عن درجة وعيهم القومي أو تعريفهم الذاتي، فإنّ أصولهم الاجتماعية تعكس اندماج النخبة الكردية في الدولة السورية المبكرة”، هذه الشخصيات لم تطرح نفسها يوماً ممثّلة لأقلية عرقية، بل جزءاً أصيلاً من الكتلة الوطنية السورية.

هذا النموذج يجسّد ما يمكن تسميته “الكردي المندمج” أو “الكردي الجيد” في نظر الدولة السورية التقليدية، وهو الكردي الذي تماهى مع المشروع الوطني السوري، وساهم في بناء مؤسسات الدولة من الجيش إلى مجمع اللغة العربية.

التصدع والإنكار – صناعة المظلومية الكردية (1962 – 2011)

بدأت مأساة المظلومية الكردية بالتبلور بشكل منهجي مع صعود الفكر القومي العربي الإقصائي، وتحديداً مع وصول “حزب البعث” إلى السلطة وتأثيرات “الفكر الناصري” قبله؛ تحول الكردي من شريك في بناء الدولة إلى “تهديد ديموغرافي” في نظر السلطة، ممّا أدّى إلى تبنّي سياسات هندسة اجتماعية قاسية.

إحصاء عام 1962 – تجريد المواطنة.

في 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1962، صدر المرسوم التشريعي رقم 93 القاضي بإجراء إحصاء استثنائي في محافظة الحسكة وحدها، في يومٍ واحد؛ كان الهدف المعلن هو “التحقّق من المتسللين الأجانب” من تركيا والعراق، لكنّ النتائج كانت كارثية على النسيج الوطني السوري:

  1. أجانب الحسكة: جُرّد أكثر من 120 ألف كردي من جنسيتهم السورية، وسُجّلوا في القيود الرسمية على أنّهم أجانب، ومنحوا بطاقات حمراء لا تمنحهم أي حقوق قانونية.
  2. مكتومو القيد: فئة لم تُسجل حتى في فئة الأجانب، وبقوا دون أيّ وثائق تعريفية، ممّا جعلهم محرومين من التعليم، الصحة، والسفر بشكلّ كامل.
  3. العقوبة الجماعية: أدى هذا الإجراء إلى حرمان أجيال متعاقبة من حقوق المواطنة، حيث وُلد مئات الآلاف في سوريا وهم لا يملكون حقّ تملك عقار أو الحصول على وظيفة حكومية أو حتى توثيق عقود زواجهم.

مشروع الحزام العربي والهندسة الديموغرافية.

في عام 1974 شرع “نظام البعث” في تنفيذ مشروع “الحزام العربي”، وهو مخطط يهدف إلى تغيير التركيبة السكانية في المناطق الحدودية الشمالية؛ تمّ بناء “قرى نموذجية” وتوطين عائلات عربية (“الغمر” الذين غمرت مياه سد الفرات أراضيهم) في شريط يمتدّ بطول 375 كيلومتراً وعمق 10-15 كيلومتراً على الحدود مع تركيا؛ ترافق ذلك مع مصادرة أراضي الفلاحين الكرد ومنعهم من استثمارها، في محاولةٍ صريحة لفك الارتباط الجغرافي بين كرد سوريا وكرد تركيا، وتحويل المنطقة إلى “حاجزٍ بشري” عربي.

تُلخص السياسات التي اتبعتها الأنظمة المتعاقبة لتهميش المكون الكردي وتفكيك وجوده الاجتماعي والقانوني في الجدول التالي، مدعومة بالمراجع والآثار المترتبة:

السياسة التمييزية والمرجع القانونيالأثر الحقوقي والاجتماعي والوطنيالنطاق الجغرافي والسكاني
الإحصاء الاستثنائي (المرسوم 93 لعام 1962)

تجريد 120 ألف كردي من الجنسية في يوم واحد

حرمان أجيال من السفر والتملك والتوظيف

 إنتاج فئتي “الأجانب” و”المكتومين”.

محافظة الحسكة (مركز الثقل الكردي الأكبر).
مشروع الحزام العربي (القرار 521 لعام 1974)

مصادرة آلاف الهكتارات من الأراضي

تهجير سكان 332 قرية كردية

توطين عائلات عربية (“الغمر”) لتغيير الديموغرافيا.

الشريط الحدودي الشمالي (بطول 350 كيلومتراً وعمق 10-15 كيلومتراً).
تعريب الأسماء (المرسوم 346 لعام 1957 وما تبعه)طمس الهوية الثقافية عبر تبديل أسماء المدن والقرى الكردية بأسماء عربية في السجلات الرسمية والخرائط (مثل ديريك التي أصبحت المالكية).مناطق عفرين، كوباني، والجزيرة السورية.
حظر اللغة والثقافة (أوامر أمنية وممارسات إدارية)

منع التحدّث أو التدريس بالكردية

تجريم النشر والموسيقى الكردية

اشتراط موافقات أمنية للأعراس والمناسبات القومية مثل “نوروز”.

المؤسسات التعليمية، الدوائر الرسمية، والساحات العامة.
تقييد الملكية العقارية (المرسوم 49 لعام 2008)

اشتراط 4 موافقات أمنية (دفاع، داخلية، عدل، زراعة) لمعاملات البيع والبناء

 تجميد النشاط الاقتصادي واستهداف الملاك الكرد.

المناطق الحدودية، وشمل لاحقاً كامل محافظة الحسكة.

هذه السياسات خلقت جرحاً غائراً في الذاكرة الجماعية الكردية، وحوّلت “المواطن الكردي” إلى إنسانٍ يشعر بالاغتراب داخل وطنه؛ هذا التهميش الممنهج هو الذي وفر التربة الخصبة لاحقاً لنمو وتغذية “التنظيمات القومية الكردية المتطرفة”، حيث وجد الشباب الكردي في الخطاب القومي ملجأً من إنكار الدولة لوجودهم.

الواقع الديموغرافي – التشتت والتركيز.

توزع الأكراد في سوريا تاريخياً على 3 مناطق رئيسية في الشمال والشمال الشرقي، بالإضافة إلى تجمعاتٍ كبيرة في المدن الكبرى مثل (دمشق وحلب).

تشير التقديرات قبل عام 2011 إلى أنّ نسبتهم تتراوح بين 5% إلى 10% من إجمالي سكان سوريا، في حين ترفع بعض الدراسات الكردية هذه النسبة إلى 15% وهي الراجحة بناءً على احتساب المهاجرين والمكتومين.

مناطق التوزع الرئيسية.

  1. الجزيرة (محافظة الحسكة): تعد الخزان البشري الأكبر للكرد، رغم أنّ القبائل العربية تشكّل فيها نحو ثلاثة أرباع السكان وفق بعض التقديرات؛ حيث تضم المحافظة مدناً كردية مثل القامشلي، المالكية، وعامودا.
  2. كوباني (عين العرب): منطقة ذات غالبية كردية في ريف حلب الشمالي الشرقي، تحوّلت إلى رمزٍ دولي بعد معاركها ضدّ تنظيم داعش.
  3. عفرين: كانت تاريخياً “سنجق الأكراد” في الوثائق العثمانية، وتمتاز بغالبية كردية ساحقة، لكنّها شهدت تغيراً ديموغرافياً كبيراً بعد العمليات العسكرية التركية بالاشتراك مع الجيش الحر في 2018، حيث انخفضت نسبة السكان الأكراد الأصليين بشكلٍ كبير.
  4. دمشق (حي ركن الدين وزور آفا): يمثّل حيّ ركن الدين (حي الأكراد قديماً) نموذج الاندماج التاريخي، في حين يمثل حي “زور آفا” (وادي المشاريع) تجمعاً للمهاجرين الكرد الذين فقدوا أراضيهم في الشمال في الستينيات والسبعينيات.

توزع السكان الكرد في سوريا والتحوّلات الراهنة (2025 – 2026)

المنطقةالتقدير السكاني (قبل 2011)الحالة الراهنة (2023 – 2026)المصادر والتوثيق المرجعي
محافظة الحسكة1,512,000 (مختلط)هجرة واسعة، بلغت نسبة هجرة الكرد نحو 80% في بعض التقارير.السجلات الرسمية (2011)، تقارير أبحاث ديموغرافية
منطقة عفرين172,095 (إحصاء 2004)انخفاض حاد في السكان الأصليين؛ بقاء 5,822 كردياً مقابل استقرار 18,553 عربياًالتعداد السكاني العام (2004)؛ المركز الأوروبي للدراسات الكردية
حي ركن الدين (دمشق)300,000 (مختلط)

استقرار عالٍ

اندماج كامل

غلبة اللغة العربية في التخاطب اليومي

دراسات تاريخية واجتماعية، ويكيبيديا
الشيخ مقصود والأشرفية (حلب)150,000 (أغلبية كردية)نزوح جماعي ضخم (كانون الثاني 2026)؛ تقدر الأعداد بـ 142,000 إلى 165,000 نازحصحيفة النهار (حلب)، قناة الإخبارية السورية (2026)

التنظيمات الكردية.. بين التحرير والأجندات العابرة للحدود.

منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011، برزت قوى عسكرية وسياسية كردية فرضت أمراً واقعاً في الشمال السوري؛ تصدّر “حزب الاتحاد الديمقراطي” (PYD) وجناحه العسكري (YPG) المشهد، مشكلين نواة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بدعمٍ عسكري وتقني من “الولايات المتحدة الأمريكية”.

معضلة “قسد” واختطاف المكون الكردي.

رغم أنّ “قسد” قدّمت نفسها كقوةٍ وطنية تحارب الإرهاب (داعش)، إلا أنّها واجهت انتقادات حادة جداً من داخل المكون الكردي ومن السوريين العرب على حدٍّ سواء؛ حيث يرى مراقبون أنّ التنظيم يمثل “حالة اغتراب” عن الواقع السوري لارتباطه العضوي بحزب العمال الكردستاني (PKK) العابر للحدود؛ وفي مقدمة هذه الانتقادات:

  1. القمع الداخلي: اتُهمت “قسد” بحرق مقرات “المجلس الوطني الكردي” (ENKS) المعارض لها والاعتداء على كوادره بشكلٍ مستمر وممنهج، واعتقال النشطاء السياسيين الذين لا يتماشون مع أيديولوجيا “الأمة الديمقراطية” حسب وصفهم.
  2. تجنيد الأطفال والاختفاء القسري: وثقت منظمات حقوقية، منها الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تشرين الأول 2025، احتجاز 113 شخصاً بينهم 12 طفلاً في مدينة الرقة ودير الزور بهدف التجنيد الإجباري؛ هذه الممارسات أدت إلى استياءٍ شعبي كردي واسع، حيث يشعر الأهالي بأنّ أولادهم يُزج بهم في حروب لا تخدم قضيتهم الوطنية.
  3. المساومة الإقليمية: يُنظر إلى “قسد” كأداةٍ للمساومات الدولية (الأمريكية، التركية، الروسية)، حيث ترهن مستقبل مناطق الجزيرة بحساباتٍ دولية متغيرة، ممّا يضع الكرد في مواجهة دائمة مع محيطهم المحلي والإقليمي.

التباين السياسي – مسد مقابل ENKS.

ينقسم الشارع السياسي الكردي بين قطبين رئيسيين “كحالة غالبة”:

  • مجلس سوريا الديمقراطية (مسد): الواجهة السياسية لـ “قسد”، والذي يتبنّى ويدعم مشروع الإدارة الذاتية واللامركزية السياسية الواسعة.
  • المجلس الوطني الكردي (ENKS): يمثل النخبة الكردية القريبة من “إقليم كردستان العراق”، وكان جزءاً من المعارضة الرسمية في إسطنبول والرياض؛ يطالب بحقوقٍ كردية ضمن إطار الدولة السورية الموحدة ويرفض هيمنة وسياسات الـ PYD العسكرية والسياسية الإرهابية.

هذا الانقسام أضعف الموقف التفاوضي الكردي، حيث استغلت الأطراف الدولية والمحلية هذه التناقضات لتمرير أجنداتها، في حين بقي المواطن الكردي البسيط يدفع ثمن التجنيد الإجباري والتهميش الوطني.

الاقتصاد والموارد.. النفط وقود للصراع والتفاوض (2024 – 2026).

تسيطر “قسد” حالياً على جزءٍ كبير من الثروات الطبيعية السورية (النفط، الغاز، والقمح) في مناطق شرق الفرات، وهو ما يمنحها قوة تفاوضية هائلة أمام الحكومة السورية الجديدة في دمشق.

 

قطاع الطاقة السوري – واقع الموارد وآفاق الإنتاج (2025 – 2026)

الحقل/ القطاعالإنتاج (قبل 2011)الإنتاج الحالي (أواخر 2025)الجهة المسيطرة/ الإشرافالتوقعات والملاحظات الاستراتيجيةالمصدر
حقل العمر النفطي80,000 برميل/ يوم20,000 برميل/ يومقسد (بدعم أمريكي)أكبر حقول سوريا، يواجه تحديات تقنية في الاستخراج.تقارير وزارة النفط (2025)
حقول السويدية ورميلان180,000 برميل/ يوم85,000 برميل/ يومقسد (إدارة ذاتية)المصدر الرئيسي لتوليد الكهرباء وتأمين الوقود المحلي في الشمال.دراسات “الشرق للأعمال”
إجمالي إنتاج النفط386,000 برميل/ يوم100,000 برميل/ يومتقاسم سيادي (قسد/ دمشق)يهدف النظام لرفع الإنتاج تدريجياً بعد استقرار مناطق شرق الفرات.تصريحات وزير الطاقة السوري
الغاز الطبيعي8.7 مليار متر مكعب/ سنة7 ملايين متر مكعب /يومالحكومة الانتقالية (أغلب الحقول)تهدف الخطة الحكومية للوصول لـ 15 مليون متر مكعب/ يوم نهاية 2026.وكالة الأنباء الكويتية (كونا)
تطوير قطاع الغاز(استكشاف جديد)زيادة 4-5 ملايين متر مكعب/ يومشراكة (SPC) وConoco Phillipsوقّعت الحكومة السورية مذكرة تفاهم في تشرين الثاني 2025 لتعزيز الإمدادات.وزارة الطاقة السورية (2025)

أثار ملفّ النفط توتراً حاداً في عام 2025، فبينما أعلنت وزارة النفط في حكومة أحمد الشرع عن تشكيل لجان لاستلام الحقول، نفت الإدارة الذاتية أيّ اتفاق على تسليم الآبار، وأكدت أنّ أيّ تقاسمٍ للثروة يجب أن يمر عبر اتفاق سياسي شامل يضمن حصة عادلة لأبناء المنطقة في التنمية والإعمار.

 

اتفاق 10 مارس ومسار الاندماج الوطني.

مع سقوط نظام الأسد المجرم في كانون الأول 2024 وتشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، دخلت العلاقة العربية الكردية مرحلة مفصلية، إذ وقّع الرئيس الشرع وقائد “قسد” “مظلوم عبدي” اتفاقاً تاريخياً في 10 آذار/ مارس 2025، يهدف إلى إنهاء حالة الانقسام ودمج المكون الكردي في مؤسسات الدولة.

بنود اتفاق الاندماج وتحديات التنفيذ

تضمن الاتفاق 8 بنود أساسية تهدف إلى إعادة هيكلة الدولة:

  1. الاندماج العسكري: انضمام مقاتلي “قسد” إلى الجيش السوري الوطني، مع مراعاة الخصوصية المحلية في إدارة الأمن في مناطق الجزيرة.
  2. اللامركزية الإدارية: منح المحافظات صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها الاقتصادية والثقافية، وهو ما اعتبره الكرد “حداً أدنى” لمطالبهم.
  3. الحقوق الدستورية: الاعتراف بالهوية القومية الكردية كجزء من الهوية السورية، وكفالة الحق في التعلم باللغة الكردية.
  4. معالجة آثار إحصاء 1962: إعادة الجنسية لكافة المجردين منها وتصحيح القيود المدنية بأثرٍ رجعي.

رغم التوقيع، واجه الاتفاق عقبات ضخمة في نهاية عام 2025؛ اتهمت دمشق “قسد” بالتباطؤ في تنفيذ الشق العسكري والسعي للحفاظ على “مشروع انفصالي” تحت غطاء اللامركزية؛ في المقابل، يرى القادة الكرد أنّ “عقلية المركزية” في دمشق لم تتغير تماماً، وأنّ هناك تيارات داخل الحكومة الجديدة ترفض الاعتراف بالحقوق القومية وتعتبرها تهديداً لوحدة البلاد.

“الكردي الجيد” و”الكردي السيئ”.. تفكيك سردية الدولة والارتهان.

في المخيال السياسي السوري، تمّ تصنيف الكرد وفق ثنائية حادّة تخدم الأجندة عند السلطة:

  • “الكردي الجيد”: هو المندمج في دمشق وحلب، الذي يتحدّث العربية بطلاقة، ويضع الولاء لـ “الدولة” أو “النظام” فوق انتمائه القومي؛ هذا النموذج استُخدم لتلميع صورة السلطة والادعاء بأنّها لا تميز ضدّ الكرد، مستشهدة بشخصيات مثل أحمد كفتارو أو محمد سعيد رمضان البوطي.
  • “الكردي السيئ”: هو الكردي في القامشلي أو عفرين الذي يطالب بحقوق سياسية، يرفع علم كردستان، ويرفض الذوبان في الهوية العربية المفروضة قسراً؛ هذا النموذج تمّ وصمه بـ “الانفصالية” و”العمالة للخارج” لتبرير حرمانه من الجنسية وقمع حراكه السياسي.

الحقيقة أنّ هذه الثنائية (زائفة)؛ فالكردي السوري في ركن الدين هو نفسه الكردي في القامشلي، لكن الأول حظي بفرص الاندماج والاعتراف، بينما واجه الثاني سياسات الإنكار والتهجير.

المظلومية ليست خياراً كردياً، بل هي نتيجة لسياسات الدولة التي جعلت من “الانتماء القومي” سبباً للحرمان من المواطنة والحقوق.

مستقبل الحالة الكردية نحو عقد اجتماعي جديد.

إنّ بناء سوريا المستقرة في عام 2026 وما بعده يتطلب تجاوز عقدة “الخوف من التقسيم” وعقدة “الإنكار القومي”، فلا يمكن للسوري العربي أن يفهم أخاه الكردي دون الاعتراف بأنّ ما تعرّض له الأخير من تجريد للجنسية ومصادرة للأرض كان (جريمة بحق الوطن كله)، وليس بحقّ الكرد وحدهم.

مسارات الحل المستدام.

  1. المواطنة المتساوية: يجب أن يكون الدستور السوري القادم “أعمى عن العرق”، يضمن حقوقاً متساوية للجميع، مع اعترافٍ صريح بالتعددية الثقافية، فإعادة الجنسية لضحايا إحصاء 1962 ليست “منة” من الدولة، بل هي استرداد لحقّ مسلوب وشرط أساسي للعدالة الانتقالية.
  2. اللامركزية صمام أمان: إنّ تخوف العرب من اللامركزية باعتبارها طريقاً للانفصال يقابله تخوف الكرد من المركزية باعتبارها طريقاً للاستبداد؛ الحل يكمن في “تكافؤ حقيقي في الفرص لجميع مكونات الشعب السوري” على جميع الأصعدة (سياسة، اقتصاد، جيش، شرطة، وغيرها…) بحيث يمنح أبناء المناطق المشتركة (عرباً وأكراداً) سلطة إدارة ثرواتهم وتنمية مجتمعاتهم المحلية تحت سيادة علم وطني واحد.
  3. تحرير القرار الكردي: على القوى الكردية خاصة قسد أن تدرك أنّ مستقبل الكرد يكمن في دمشق وليس في واشنطن أو جبل قنديل، وفك الارتباط بالأجندات العابرة للحدود هو الضمانة الوحيدة لطمأنة المكون العربي والجوار الإقليمي، وتحويل القوة العسكرية الكردية إلى جزءٍ أصيل من منظومة الدفاع الوطني السوري الوطني.
  4. التنمية المشتركة: إنّ توزيع عوائد النفط والغاز بشكلٍ عادل بين المحافظات والمركز والأطراف، وتوجيه استثمارات ضخمة لإعادة إعمار المناطق الكردية المدمرة في الجزيرة وعفرين، سيسهم في خلق مصالح اقتصادية مشتركة تذيب الفوارق القومية لصالح الهوية الوطنية الجامعة.

‏أخيراً وليس آخراً.

تخلص هذه المادة إلى أنّ الحالة الكردية في سوريا هي اختبار لمدى نضج المجتمع السوري وقدرته على الانتقال من “دولة المكونات المتصارعة” إلى “دولة المواطنة المتساوية”.

إنّ المظلومية الكردية هي جرح سوري نازف، وعلاجه يبدأ بالاعتراف التاريخي والتعويض القانوني والمادي؛ وفي المقابل، فإنّ مستقبل الكرد مرتبط عضوياً بوحدة سوريا واستقرارها، فأيّ نزعة انفصالية لن تؤدي إلا إلى حروب لا تنتهي بسهولة وتدخلات إقليمية مدمرة ومستمرة.

وكما ساهم الكرد في استقلال سوريا الأول وقيادة جمهوريتها الأولى، فإنّهم اليوم جزء لا يتجزأ من رهان السوريين جميعاً على بناء دولة الحرية والكرامة والعدالة لكلّ أبنائها دون تمييز أو إقصاء، فالسوري العربي والسوري الكردي شريكان في المعاناة كما هما شريكان في الأمل.

 

شارك

مقالات ذات صلة