آراء
كانت جزيرة العرب قبل الإسلام بنية سياسية متفرقة، تقوم على الأقاليم والقبائل أكثر من قيامها على الدولة المركزية الجامعة للكلّ المتفرق، فقد تمايزت أقاليمها الكبرى في القوة و الوظيفة والدور، فكان الحجاز مثلاً مركزًا دينيًّا وتجاريًّا، ونجد فضاءً قبليًّا مفتوحًا تحكمه موازين القوة والتحالف، بينما تميّز “اليمن” بتاريخٍ سياسي أقدم وأكثر ثباتاً، وقد خضع هذا الإقليم أي اليمن، قبل الإسلام، لسلطاتٍ متعاقبة بدأت بالممالك العربية الجنوبية، ثمّ النفوذ الحبشي، وانتهت بالهيمنة الفارسية الساسانية عبر ولاتها، وهو ما أفرز نمطاً سياسيًّا مركّبًا انعكس بوضوح على طريقة تفاعل اليمن –وحضرموت خاصة– مع الدولة الإسلامية الناشئة في المدينة.
وفي هذا الإطار، لا يمكن فهم فتح “حضرموت” والتي هي عنوان مقالتنا في السنة الحادية عشرة للهجرة فهمًا سليمًا بمعزلٍ عن البنية القبلية والسياسية التي حكمت الإقليم قبيل الإسلام وحتى بعد وفاة النبي ﷺ، فحضرموت لم تكن مدينة متمردة بالمعنى العسكري المباشر، ولا ساحة مواجهة عقائدية خالصة، بل كانت فضاءً قبليًّا واسعًا ذا تقاليد سياسية راسخة، وتجربة سابقة في الحكم والزعامة، ونزعة الى بناء التحالفات الموزونة أكثر من الخضوع الإداري الكامل.
وتكشف بعض الدراسات أنّ ما اصطلح عليه لاحقًا في المصادر الإسلامية بـ“حركات الردة” لا يصحّ اختزاله في كونه انقلابًا دينيًّا فقط، بل هو يشمل في جوهره أزمة ولاء سياسي أيضاً، تفجّرت في لحظة انتقال السلطة بعد وفاة النبي ﷺ. فقد دخلت حضرموت الإسلام في حياة النبي ضمن سياق الاتفاق والتحالف، وهو نمط شائع في أطراف الجزيرة العربية، حيث لم تكن الدولة قد استكملت بعد أدوات السيطرة الإدارية المباشرة، ومع غياب الشخصية المؤسسة وهي شخص النبي ﷺ، أعادت النخب القبلية في حضرموت طرح السؤال القديم: لمن تكون الطاعة؟ وهل تستمر الالتزامات السياسية والمالية ذاتها في ظلّ سلطةٍ جديدة في المدينة متمثلة في أبي بكر الصديق؟
وهنا برز الدور المحوري لزياد بن لبيد –عامل النبي ﷺ على حضرموت-، الذي مثّل الامتداد الإداري والسياسي للدولة الإسلامية في الإقليم اليمني، وتشير بعض الدراسات بوضوحٍ إلى أنّ الصدام لم يبدأ بالسيف، بل بالمراسلات والتفاوض، وأنّ جوهر الخلاف تمحور حول الزكاة بوصفها رمزًا للسيادة السياسية، لا مجرد فريضة مالية، فامتناع بعض بطون قبائل اليمن عن أدائها لم يكن تعبيرًا عن رفضٍ ديني صريح، بقدر ما كان إعلانًا سياسيًّا عن الرغبة في إعادة التفاوض على موقع الإقليم داخل الدولة الجديدة، ومع تصاعد التوتر وتعقّد المواقف، تحوّلت حضرموت إلى ساحة صراع بين مشروعين متقابلين، مشروع الدولة المركزية الناشئة، التي رأت أنّ وحدة الجزيرة العربية شرطٌ لبقاء الرسالة النبوية واستقرار النظام السياسي للعرب، وأنّ أيّ تساهل في الأطراف سيؤدي إلى تفكك الكيان العربي كلّه، ومشروع الزعامة القبلية لبعض القبائل اليمنية، التي سعت إلى استعادة دورها التقليدي، وإعادة تعريف علاقتها بالسلطة المركزية على أسس أقرب إلى الاستقلال الذاتي.
وتُظهر آراء بعض الباحثين أنّ ما يُعرف تاريخيًّا بـ“فتح حضرموت” لم يكن اقتحامًا لمدينة محصّنة أو معركةً تقليدية فاصلة، بل كان إخضاعًا سياسيًّا تدريجيًّا، انتهى بانكسار مركز القيادة القبلية، وتكمن دلالة هذه المرحلة في أنّ الدولة الإسلامية، بعد الحسم العسكري، لم تتجه إلى الإلغاء أو الاستئصال، بل بالعكس حرصت الدولة الإسلامية العربية إعادة دمج حضرموت وبقية المناطق اليمنية في ظلّ الدولة الناشئة و أصبحت وجوه و قيادات القبائل اليمنية مشاركين للدولة الناشئة في المدينة في الحجاز في الفتوحات الإسلامية في سوريا و مصر ، في دلالة واضحة على مرونة النظام السياسي الإسلامي وقدرته على استيعاب الخصوم العرب .
لذلك كان فتح حضرموت وبقية المناطق اليمنية يمثّل نموذجًا مبكرًا لإدارة ما نستطيع تسميته بالنزعة الى التمرد في الدولة الإسلامية، فالحزم العسكري حينها يصبح ضرورة، ويقابله ويسانده ذكاء سياسي ومرونة إدارية لدى القيادة المركزية في الحجاز المدينة بعد الحسم، وهو ما يفسّر سرعة استقرار الإقليم اليمني، وتحوّله من بؤرة توتر سياسي إلى رافد بشري وعسكري فاعل في الفتوحات الإسلامية اللاحقة.
وهذا يشهد بأنّ قيادة النبي ﷺ ثمّ القيادات التي استمرّت بعده، كانت عن وعيٍ ورشد عالٍ و سامٍ مبكر بأنّ توحيد اليمن وضمّها إلى الكيان العربي في الجزيرة لم يكن خيارًا توسعيًا أو استعراضيًّا، بل ضرورة سياسية وإدارية لحماية وحدة الدعوة الاسلامية واستقرار الدولة الناشئة، فاليمن، بثقلها السكاني، وعمقها الحضاري، وموقعها التجاري، كانت ولا زالت عنصر توازن لا يمكن تركه خارج المنظومة العربية ، إذ إنّ بقاءها مجزأة أو خاضعة لنفوذ غير عربي كان كفيلًا بإعادة إنتاج الصراعات القديمة وتقويض مشروع الوحدة.




