مدونات

 رانيا العباسي.. أمومة في عداد الغياب

ديسمبر 17, 2025

 رانيا العباسي.. أمومة في عداد الغياب

دينا تايه

 

هذا نصّ أدبيّ توثيقيّ، يقترب من حكايات حاول الزمن طمسها، ويعيد قراءة الإنسان خلف الاسم، والوجع خلف التاريخ، في محاولة لحفظ الذاكرة وكشف ما أريد له أن يبقى في الظل. 

رانيا العباسي، طبيبة أسنان، وبطلة شطرنج سورية، وأمّ لستّة أطفال، امرأة حملت العلم والإنسانيّة، فحملتها يد الظلم، لا لذنبٍ اقترفته، بل لأنّها عاشت في زمنٍ غدا فيه الأمان تهمةً يعاقب عليها.

بدأت الحكاية في 9 آذار عام 2013، حين اعتقلت قوات الأمن السوري عبد الرحمن ياسين من منزله في حيّ مشروع دمّر بدمشق.

وبعد نحو يومين على اعتقاله، عادت العناصر الأمنية إلى المنزل ذاته، واقتحمته مجدّداً، لتعتقل الدكتورة رانيا العباسي مع أطفالها الستة، عقب تفتيش البيت ومصادرة عدد من المقتنيات الشخصية، في مشهد يعكس نمطاً متكرراً من الانتهاكات التي طالت العائلات السورية.

ومنذ تلك الليلة، اختفوا جميعاً، لا أثر، ولا خبر، ولا جواب.

ومضت 12 سنة، وما تزال العائلة غائبة، بينما تتردّد أسماء رانيا وأطفالها في تقارير المنظمات الحقوقية رمزاً للأمهات المفقودات، وللطفولة التي خُطفت مع الحرب.

وتشير تقارير حقوقية إلى احتمال مقتل زوجها بعد الاعتقال، استناداً إلى ظهور صور يعتقد أنّها له ضمن ما يعرف بـ”صور قيصر” المسرّبة من معتقلات النظام السوري، غير أنّ هذه المعلومات لم تؤكّد رسمياً، فيما بقي مصير الأطفال مجهولاً حتى اليوم.

وعلى خطى الدكتورة رانيا العباسي، ما تزال آلاف العائلات السورية تعيش في انتظارٍ ثقيل، تجهل مصير أحبّتها، ضحايا نظام بائد دمّر البلاد وأطفأ نورها.

ومن هذا الوجع، صغت مشهداً رمزياً لا يدّعي التوثيق، بل يستحضر الألم..

 

طفلة خطفها الظلم

في أيّار من عام 2013، وعند الساعة العاشرة ليلاً، كانت طفلة صغيرة تنام بين جدران بيت هادئ، تحيط بها أسرة محبّة؛ خمس أخوات أكبر منها، ووالدان يزرعان الطمأنينة في قلبها الصغير.

كانت أصغر أفراد البيت، وأنقاهم روحاً، تحمل دميتها قبل النوم، وتهمس لها بأحلامها البسيطة، وتحلم بأن تصبح مهندسة حين تكبر. 

لكن الليل انكسر فجأة، طرق عنيف مزّق السكون، وصوت خشن صاح: “افتحوا الباب فوراً”. لم تمض ثوان حتى سقط الباب، واقتحم المنزل رجال مدجّجون بالسلاح. “نحن الجيش السوري.. أنتم رهن الاعتقال”.

انتزعت الطفلة من بين ذراعي أمّها، وبكاؤها المخنوق يملأ المكان، فيما تحاول الأم الاقتراب دون جدوى.

وهكذا، دون سبب، ودون حتى فرصة للاحتجاج، اقتيدت الأسرة بأكملها إلى المجهول، وفي جحيم السجون، تحوّلوا إلى أرقام.. أرقام بلا أسماء، بلا وجوه، وبلا أحلام.

واليوم، ورغم تغيّر وجه سوريا، قضى الوالدان على يد النظام، وبقيت هي وأخواتها في عداد المفقودين. رحلت الطفلة… ولم تعد، وبقي فراغ واسع، وحكاية صغيرة لم يسمح لها أن تكتمل.

أنا كاتبة أؤمن بأنّ للكلمة دوراً في حفظ الذاكرة، وكشف ما خفي من الحكايات، في هذه المقالة، كتبت عن شخصيات سورية بقيت رمزاً، رغم أن قصصها ظلّت بعيدة عن الضوء، محاولةً قراءة الإنسان خلف الاسم، والحكاية خلف التاريخ.

آمل أن تكون هذه المقالة قد أسهمت في تسليط الضوء على بعض القصص المدفونة، التي ما تزال غامضة ومخيفة، لا يعرف حقيقتها إلا من ارتكبها، ومن صمت وأسهم في إخفائها، لتبقى حكايات حاول العالم طويلاً طمسها.

شارك

مقالات ذات صلة