آراء

شرعنة البلطجة: الترامبية في العلاقات الدولية

ديسمبر 16, 2025

شرعنة البلطجة: الترامبية في العلاقات الدولية

في المشهد الذي بثّته المدّعية العامة الأمريكية، يهبط جنود أمريكيون من مروحيةٍ عسكرية على سطح ناقلة نفط عملاقة قبالة سواحل فنزويلا، تستفزنا التفاصيل المعلنة بوقاحة وصلف من رئيس الدولة العظمى في النيوليبرالية الجديدة، متباهيًا بالمشهد وكأنّه يقُصُّ جزءًا جديدًا من فيلم “قراصنة الكاريبي” لا في عملية كان غيره سيستميت في تبريرها كإجراء مشروعٍ لـ”إنفاذ القانون”. بعد ساعات، يقف دونالد ترمب في البيت الأبيض يُجاهر بأنّ الولايات المتحدة “استولت” على الناقلة، ثم يضيف ببرود: “أعتقد أنّنا سنحتفظ بالنفط”. في هذه اللحظة المكثّفة تتجسّد الترمبية في العلاقات الدولية: مزيج فظ من القوة العارية، واحتقار القانون الدولي، وشرعنة البلطجة بوصفها أداة سياسة خارجية معلنة تفرض؛ ولم يعد لدينا أوهام بأنّها لا تستحي ولا تحاول حتى إخفاء لغتها، بل تقصدها قصدًا.

القانون الدولي – باعتبار ما كان

من منظور قانون البحار، تنطلق القاعدة من مبدأيْن راسخيْن في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار: حرية الملاحة في أعالي البحار، والولاية الحصرية لدولة العلم على سفينتها. فالسفينة التي ترفع علم دولة معيّنة تُعتبر قانونيًّا جزءًا من إقليم تلك الدولة وهي في عرض البحر، ولا تخضع كأصل عام إلا لقانونها وقضائها. ولا يجوز لأيّ دولة أخرى توقيفُها أو الصعود على متنها أو مصادرةُ حمولتها في أعالي البحار، إلا ضمن نطاق ضيّق من الاستثناءات المحددة: القرصنة، تجارة الرقيق، البث الإذاعي غير المشروع، السفينة عديمة الجنسية، أو في حالات خداع تتعلق برفع علم مزيف أو زورًا لدولة غير مالكة السفينة. ما عدا ذلك، تظلّ أعالي البحار فضاءً مشتركًا لا تملك فيه أيّ دولة حق فرض قانونها الداخلي على الغير بقوة السلاح أو العقوبات الأحادية.

حين تُبرّر واشنطن إنزال قوات مسلحة على ناقلة نفط بدعوى مخالفة عقوبات أمريكية أو تمويل أطراف تُصنّفها “إرهابية” في تشريعاتها الخاصة، فهي عمليًّا تمدّد الاختصاص القضائي الداخلي إلى أعالي البحار، وتتجاوز الإطار المحدّد الذي رسمه قانون البحار لمشروعية اعتراض السفن. الولايات المتحدة لا تستند إلى قرارٍ أممي ولا إلى حالة قرصنة تقليدية، بل إلى عقوبات أمريكية أحادية قررت واشنطن أن تعاملها كأنّها تأصيلٌ لسلوكٍ كوني مُلزِم للجميع. هنا بالذات تتجلّى الترمبية في العلاقات الدولية: قانونٌ داخلي يُمدَّد قسرًا إلى أعالي البحار بقوة حاملة طائرات، فيتحوّل من أداةٍ تنظيميةٍ إلى وسيلة لـشرعنة البلطجة على موارد دولة أخرى، تحت لافتة إنفاذ القانون ومحاربة الإرهاب.

بهذا المعنى، لا تعود المسألةُ مجرّدَ تطبيقٍ متشدّدٍ لعقوبات أو تفسيرٍ متوسّعٍ لاختصاص قضائي، بل تتحوّل إلى نموذج لإعادة هندسة قواعد اللعبة نفسها: دولة واحدة في نَسَقٍ انتظم لعقود، تمنح نفسها حقّ التشريع، وحقّ التفسير، وحقّ العقاب في آنٍ معًا، ثمّ تُسقط هذا “القانون” على سفن الغير ومواردهم في البحار المفتوحة. هنا لا نكون أمام خلاف قانوني عابر؛ بل أمام تحوّل بِنْيَوي في العلاقات الدولية، تُستبدَل فيه فكرة “النظام الدولي” بمنطق سيدٍ مسلّح يكتب عن قصد أدبيات – أو قل قلة أدبيات- مدرسة خاصة في العلاقات الدولية، ويطبّقها، ويستفيد من نتائجها في الوقت نفسه.

ناقلةٌ واحدة.. أم منهاجٌ كامل؟

لم يكد ترمب يستعدي فنزويلا على هذا النحو، حتى تلاها بكولومبيا، فتهديده الرئيس الكولومبي جوستافو بيترو بأنّه سيكون “الهدف التالي” فيما سماه الحملة الإقليمية لمكافحة تهريب المخدرات. لذلك أكتب واثقة من مدرسة ترمبية في العلاقات الدولية لشرعنة البلطجة.

التفاصيل في عملية فنزويلا تكشف أكثر من مجرّد “ضبطية بحرية”. الناقلة هي “سكَيبر”، مصنّفة منذ عام ٢٠٢٢ على لائحة العقوبات الأمريكية بزعم أنّها جزءٌ من شبكة شحن غير مشروعة تنقل نفطًا خاضعًا للعقوبات من فنزويلا وإيران، وتدرّ عائدات لصالح حزب الله اللبناني وفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

كانت السفينة تبث موقعًا مضلِّلًا لفترةٍ طويلة، وتبحر تحت علم دولة جيانا Guyana، قبل أن تعلن إدارة الشؤون البحرية في تلك الدولة أنّ القبطان كان “يرفع علم جيانا زورًا” وأنّ السفينة غير مسجّلة في البلاد.

من هنا تبني واشنطن روايتها: سفينة في “الأسطول المظلم” للنفط المعاقَب، ترفع علمًا مزورًا، تنقل نفطًا فنزويليًّا وإيرانيًّا، وتُتهم بتمويل “منظمات إرهابية أجنبية”. روايةٌ ليست بالجديدة، الابتكار يكمُنُ في فرضها فرضًا دون مواراة أو تكييف قانوني حتى في القانون العرفي الدولي.

الحقيقة، هي عمليةُ إنزال عسكريةٌ من  كبرى حاملات الطائرات في العالم، يو إس إس جيرالد فورد، بمشاركة قوات خاصة، ومشاة بحرية، وخفر سواحل. أظنّ أنّ المؤسسة الأمريكية تلهثُ خلف ترمب. هذه العملية خرجت في النهاية كالعادة، موقّعة بتوقيع ترمب ومشفوعة فيما بعد بأختام وزارات العدل والخزانة والبنتاجون. القرصنة نفسها أصبحت رسمية، ترتدي بدلة ورابطة عنق.

فنزويلا: بين العقوبات الأمريكية والسوق السوداء.

لفهم العملية، لا يكفي النظر إلى السفينة، بل إلى البحر الذي تبحر فيه. فنزويلا اليوم دولة تعتمد بالكامل تقريبًا على النفط الخام كموردٍ رئيسي، وتمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، لكنّها تعيش تحت حصار اقتصادي وعقوبات أمريكية خانقة، وانهيار في إنتاج شركة النفط الوطنية PDVSA بسبب الفساد وسوء الإدارة والعقوبات معًا.

حين تُغلق أمام دولة كلّ منافذ البيع الشرعية، تلجأ النُظُمُ الشمولية في غياب الحوكمة الرشيدة والمحاسبة، وشبكة عميقة من الفساد وانعدام الرقابة المجتمعية إلى السوق السوداء. بشكلٍ عملي تصبح الناقلات مظلّلة، تغيّر أسماءها وأعلامها، تزيّف مواقعها على خرائط التتبع، وتدخل في شبكات معقّدة من الوسطاء، والشركات الوهمية، والحلفاء السياسيين من الأعداء الحقيقيين وغيرهم للإمبريالية الأمريكية.

العقوبات فعليًّا تُجبر كاراكاس على بيع نفطها بأسعار أدنى كثيرًا من السوق، وتبحث عن مشترين مستعدين لتحمّل مخاطرة العقوبات. الصين، دول آسيوية، وشركات هامشية، كلّهم يدخلون اللعبة. وحين يتحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد ظل، يصبح من السهل على واشنطن -المؤسسة لا ساكن البيت الأبيض- أن تقول: “نحن لا نسرق نفط دولة ذات سيادة، نحن فقط نلاحق شبكة تهريب مرتبطة بالإرهاب والمخدرات”. هكذا يتحوّل اختناق فنزويلا الاقتصادي، الذي صنعته يد العقوبات الأمريكية أولًا، إلى مبرّر أخلاقي لمزيد من الخنق.

“مدرسة ترمب”: من القانون إلى قانون العصابات.

ما يقوم به ترمب هنا يتجاوز ملف فنزويلا. نحن أمام مدرسة كاملة في العلاقات الدولية تقوم على ثلاث ركائز:

أولا: تصويرُ العقوبات الأمريكية كقانون كوني. واشنطن تفرض عقوبات بقرار داخلي، ثمّ تتصرف في البحار والممرات الدولية كأنّ هذه العقوبات ملزمة للجميع. من يخالفها لا يُعدّ مخالفًا للقانون الأمريكي فحسب، بل “مجرمًا” يحق ملاحقته بالسفن الحربية والمروحيات.

ثانيا: استخدام تهمة “الإرهاب” كجواز مرور إلى كلّ شيءٍ مجرّد ربط ناقلة نفط بحزب الله وفيلق القدس يكفي ليُفهم ضمنًا أنّ العملية دفاع عن الأمن القومي العالمي، لا استيلاء على مورد اقتصادي. ماذا تبقّى من القانون الدولي ومؤسساته منذ فرضت النيوليبرالية مفردات “الإرهاب” و”المنظمات الإرهابية” و “التهديد للأمن الدولي” وهنا بالأخص الحرس الثوري الإيراني هو المعنِيّ؟

ثالثا: تغليف العمل العسكري بلغة “مكافحة المخدرات” و”محاربة الكارتلات“. منذ شهور، والولايات المتحدة تنفّذ إحدى أكبر عمليات الانتشار البحري في الكاريبي بدعوى “محاربة تهريب المخدرات” و “محاربة الإرهاب المتصل بتهريب المخدرات كجريمة منظمة”. هذه العمليات شملت عشرات الغارات على قوارب صغيرة ومقتل عشرات الأشخاص، في إطار ما بات يُعرف بـ “عملية السهم الجنوبي“.

في هذا السياق، تبدو عملية الاستيلاء على “سكيبر” ليست حادثة استثنائية، بل حلقة منطقية في سلسلة  تتصدر فيها القوة العسكرية أولًا، ثم يُبحث لاحقًا عن سردية قانونية وأخلاقية لها.

حين يصبح القرصان واضع النظرية.

القانون الدولي للبحار يميّز بين القرصنة وإنفاذ القانون. القرصنة، في تعريفه الكلاسيكي، فعل تقوم به جهات خاصة لأغراضٍ خاصة في أعالي البحار. البيت الأبيض يقول عن نية وقصد جليّيْن: نحن دولة، نملك قرارات قضائية، نطبق عقوبات، وننفّذ أوامر توقيف صادرة عن قضاة فيدراليين. بناءً عليه ما نقوم به “إنفاذ للقانون”، لا قرصنة.

لكن السؤال الحقيقي ليس في الشكل، بل في الجوهر: أيّ قانون يُنفَّذ هنا؟ هل هو قانون متوافق عليه دوليًّا؟ أم قانون دولة واحدة قررت أن تمنح نفسها حقّ التصرّف في أعالي البحار كشرطي عالمي، وقاضٍ، وجلاد في الوقت نفسه؟

حين تعلن إدارة ترمب ببساطة نيتها “الاحتفاظ بالنفط”، وحين تصف فنزويلا العملية بأنّها “جريمة دولية خطيرة” و”قرصنة”، فالمسألة لم تعد تقنية. نحن أمام ممارسة جديدة قديمة: الأدوات حديثة، الخطاب المشفوع بمفردات “الأمن” و”مكافحة الإرهاب”، لكنّها في جوهرها لا تختلف كثيرًا عن زمن كانت فيه البوارج الأوروبية تتقدّم نحو السواحل البعيدة لتحمل ما تستطيع من ذهب ونفط وعبيد. هي الإمبريالية في صورتها القديمة لم تتغيّر؛ فقط تحرّرت من نسق المؤسسة.

إيران، حزب الله.. والفزّاعة الجاهزة.

الربط بين ناقلة النفط المحمّلة بالخام الفنزويلي وبين تمويل حزب الله وفيلق القدس ليس تفصيلًا عابرًا في البيان الأمريكي. في كلّ مرّة تريد واشنطن توسيع هامش الحركة خارج حدود القانون الدولي التقليدي، تخرج نفس المفردات من الخزانة: “منظمة إرهابية أجنبية”، “شبكة تمويل للحرس الثوري الإيراني”، “ارتباطات مع حزب الله”. هي قوالب جاهزة لتبرير الجريمة الصريحة بحق فنزويلا. تكفي الإشارة اللفظية لهذه الشبكات لكي يتحوّل النقاش من: هل يحقّ لدولة أن تستولي على ناقلة في البحر الكاريبي وتحتفظ بحمولتها؟ إلى: كيف نسمح لناقلة بتمويل الإرهاب؟

في الشرق الأوسط نعرف هذه اللعبة جيدًا؛ من العراق إلى سورية إلى غزّة ولبنان وإيران. الجديد هو تصدير هذه اللعبة إلى الكاريبي، وإدخال نفط فنزويلا في معادلة “الحرب على الإرهاب” نفسها.

من الكاريبي إلى العالم: ماذا يعلّمنا هذا المشهد؟

الخطورة في مدرسة ترمب ليست في شخص الرئيس وحده، بل في البنية التي يُرسّخها:

  • أنّ القانون الدولي يمكن اختزاله إلى قرارات محاكم فيدرالية أمريكية.
  • أنّ البحار المفتوحة يمكن تحويلها إلى فضاء مطوَّب لقوة واحدة تقرّر من يمر ومن يُحتجز ومن تُصادر حمولته.
  • أنّ موارد الدول المنهكة يمكن أن تصبح مباحة إذا وُجدت لها تهمة مناسبة: مخدرات، إرهاب، نفط غير شرعي.

حين تقف فنزويلا اليوم لتصف ما حدث بأنّه “قرصنة دولية” و”سرقة فاضحة” و”جريمة خطيرة”، فهي لا تدافع فقط عن حمولة ناقلة واحدة، بل عن مبدأ ألا تتحوّل سيادة الدول إلى ديكور، وأن لا يُترك تعريف “الجريمة” و”الشرعية” في العلاقات الدولية لمزاج إدارة واحدة في واشنطن.

“لا للحرب.. كونوا سعداء”

في خطابه لجمهور داخلي، اختار نيكولاس مادورو أن يقتبس أغنية قديمة:

“لا تقلقوا، كونوا سعداء.. لا للحرب المجنونة“. لكن ما يجري على البحر الكاريبي اليوم ليس مجرّد احتمال حرب تقليدية، بل إعادة رسم لقواعد اللعبة ذاتها: من يملك الحقّ في فرض العقوبات، من يملك حقّ الاستيلاء على الموارد، ومن يُسمَح له برفع علم على ناقلة ومن يُنزَع علمه بالقوة.

في عالم تنزلق فيه القوة العظمى نحو شرعنة البلطجة بهذا الشكل الفج، تصبح حماية القانون الدولي نفسه معركة، لا ترفًا أكاديميًّا. الناقلة “سكيبر” قد تُسجَّل في كتب التاريخ لا كحادثةٍ بحرية عابرة، بل كرمزٍ لزمن جديد: زمن القرصان الذي لا يرفع جمجمة وسيفين، بل يلوّح ببيانٍ صحفي، وتغريدة، وعبارة باردة: “سنحتفظ بالنفط.”



شارك

مقالات ذات صلة