سياسة

تقرير دوري (09): قراءة في المشهد السياسي والمحلي في سوريا 8 تموز/ يوليو 2025

يوليو 11, 2025

تقرير دوري (09): قراءة في المشهد السياسي والمحلي في سوريا 8 تموز/ يوليو 2025

 تشهد سوريا في مطلع تموز/ يوليو 2025 تحولات جذرية على المستويين السياسي والداخلي، حيث يبرز انفتاح غربي غير مسبوق يتمثل في قرارات أمريكية تاريخية، إلى جانب استئناف بريطانيا لعلاقاتها الدبلوماسية مع دمشق. لكن هذا الانفتاح يأتي محملاً بتوقعات كبيرة تهدف لإعادة رسم التحالفات الإقليمية. على الصعيد الداخلي، تواجه سوريا تحديات مركبة تتراوح بين تغيير الهوية الوطنية الرمزية وحرائق الغابات المدمرة وإشكالية دمج الكيانات الدينية، بينما يستمر التهديد الأمني بتنظيمات متطرفة تطور أساليبها. كما تبرز معضلات اقتصادية حادة رغم رفع العقوبات.

الوضع السياسي: انفتاح غربي على سوريا بين رهانات السياسة وشروط المصالح

  • وقّع الرئيس ترامب أوامر تنفيذية تاريخية لإنهاء العقوبات المفروضة على سوريا منذ عهد الأسد، فيما رفعت الخارجية الأمريكية تصنيف “هيئة تحرير الشام” من قوائم الإرهاب، وفوض ترامب وزير خارجيته بصلاحية تعليق “قانون قيصر”، وتصنيف سوريا “دولة راعية للإرهاب” في الكونغرس، إلى جانب مساعٍ أخرى في مجلس الأمن لرفع العقوبات عن الرئيس الشرع ووزير الداخلية. هذا الانفتاح الأمريكي الكبير تجاه سوريا لا يخلو من شروط راهنة أو طويلة الأمد، تتضمن إعادة رسم تحالفات المنطقة من بوابة التطبيع الأمني مع إسرائيل أو الانضمام لاتفاقات إبراهام، وضمان دمج المقاتلين الأجانب تحت رعاية وعين الحكومة السورية، وضمان قطع العلاقات مع الفصائل الفلسطينية المسلحة، بالإضافة لتفكيك الشبكات الإيرانية النافذة، وتدمير ترسانة الأسلحة الكيميائية، وأخيراً نقل سجناء تنظيم داعش من سيطرة “قسد” إلى الحكومة السورية. من جهة أخرى، تكشف الدوافع خلف هذا القرار عن أولوية المصلحة الأمريكية العليا؛ إذ تسعى واشنطن إلى ضمان مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ووضعها فوق أي اعتبارات أخرى. كما تهدف إلى تعزيز استقرار الحلفاء الرئيسيين (خاصة السعودية وتركيا)، وكبح النفوذ الإيراني الروسي، وغيرها من المصالح الاقتصادية.
  • انطلاقاً من رغبتها في التأثير في المرحلة الانتقالية السورية، أعادت بريطانيا علاقاتها الدبلوماسية مع سوريا من خلال زيارة وزير خارجيتها ديفيد لامي إلى دمشق ولقائه الرئيس السوري “أحمد الشرع” ودعوة “الشيباني” لإعادة فتح السفارة السورية في لندن، والاتفاق على تشكيل مجلس اقتصادي مشترك، وتعهدات بريطانية بدعم الزراعة والتعليم بقيمة 129 مليون دولار بالإضافة إلى 2.7 مليون دولار لمكافحة الأسلحة الكيميائية. التحول البريطاني والذي جاء مكملاً لرفع العقوبات البريطانية عن 36 كياناً سورياً حيوياً منذ آذار/ مارس 2025 (بما فيها مؤسسات أمنية ومالية ونفطية وإعلامية) يأتي خطوة تمهيدية لاستئناف العلاقات بشكل كامل ويعكس نهجاً واقعياً يزاوج بين الانخراط مع الحكومة الحالية والمطالبة بانتقال سياسي شامل لضمان الاستقرار الطويل بغية الحفاظ على مصالح المملكة المتحدة في المنطقة.

الوضع المحلي والاجتماعي: الهوية والحرائق والدين “اختبارات جديدة في المرحلة الانتقالية “

  • أعلنت الحكومة السورية تغيير الهوية البصرية للدولة، في خطوةٍ رمزيةٍ تهدف إلى ترسيخ “سوريا الجديدة” بعد عقود من حكم حزب البعث، سعيًا للقطيعة مع إرث النظام السابق وإرساء عقد اجتماعي جديد. ويُركز التصميم الجديد، القائم على طائر العُقاب، على رسائل الوحدة الترابية والارتباط بالتاريخ القديم لسوريا. ورغم الاحتفالات الواسعة المصاحبة للإعلان، أثار القرارُ جدلًا بين معارضٍ وصفه بـ “الانشغال بالشكليات” عن معالجة الأزمات الاقتصادية الملحّة، ومؤيدٍ اعتبره “قطيعةً رمزيةً مع 6 عقود من القمع” وخطوةً لإعادة صياغة السردية الوطنية.
تُمثِّل الهوية الجديدة محاولةً طموحةً لإعادة بناء الوعي الوطني على أسس سليمة، نقاط قوّتها تكمن في احتضان التنوع والتأكيد على الوحدة وجمع الأصالة بالحداثة. غير أن تحويلَ هذه الرؤية إلى واقعٍ يتطلب عمليةً طويلةَ المدى لتعزيز العدالة الاجتماعية، وترسيخ الهوية في وعي الأجيال القادمة، وهو ما يشكّل التحدي الأكبر أمام نجاحها.
  • في سياقٍ متصل، تتصدر حرائقُ غابات اللاذقية، التي التهمت مساحاتٍ شاسعةً وسط صعوبات احتوائها بسبب سرعة الرياح، منصات التواصل الاجتماعي، فيما تواصل فرق الدفاع المدني والقوات الجوية جهودَ السيطرة عليها. وقد دفع حجمُ الكارثة البيئية والإنسانية الحكومةَ السوريةَ لطلب مساعدة عاجلة من تركيا والأردن، وسط اتهامات متبادلة حول المسؤولية عن الحريق. وبرزت 3 روايات رئيسية حول أسباب هذه الحرائق:
  1. تنظيم “سرايا أنصار السنة”: الذي أعلن تبنيه لهجمات عدة كتفجير كنيسة مار إلياس وهجمات أخرى ضد الأقليات السورية.
  2. فلول النظام السابق: اتهمت السلطات عناصر سابقة بالوقوف خلف الحرائق لإثارة الفوضى.
  3. عوامل طبيعية: مثل درجات الحرارة المرتفعة وسرعة الرياح التي تفاقم الحريق.
تُبرز هذه الكارثة تحدياتِ الأمن البيئي في ظلّ تغير المناخ، كما تؤكد حتميةَ التعاون الدولي وتعزيز آليات الحماية للمناطق الحساسة.
  • في إطار سياسة دمج الكيانات الثورية بمؤسسات الدولة، أعلن المجلس الإسلامي السوري حلَّ نفسه استجابةً لطلب الحكومة، ورغم تبرير المجلس القرارَ باستكمال مهامه الثورية، أثار أسئلةً مصيريةً حول مستقبل الدين في الفضاء العام، خاصة مع مخاوف من تحوُّل المؤسسة الدينية إلى أداةٍ حكوميةٍ تفقد استقلاليتها في الإفتاء. في المقابل، يرى مؤيدو القرار أنه يُنهي ازدواجية المرجعيات ويضبط المشهد الديني.

الوضع الأمني: نجاحات تكتيكية وأزمات استراتيجية

  • تشهد سوريا استنفاراً أمنياً يمتد من دير الزور شرقاً إلى الساحل غرباً، في مؤشرٍ على تفاقم التحديات الأمنية رغم الحملات المكثفة. ففي دير الزور، تتصاعد العمليات العسكرية لتفكيك شبكات تهريب الأسلحة عبر الحدود العراقية السورية، وملاحقة العناصر المتمردة المرتبطة بإيران، بينما تواجه الأجهزة الأمنية تحديات جسيمة في نزع سلاح المليشيات العابرة للحدود المُتّصلة بشبكات تهريب السلاح والمخدرات، والتي تستفيد من النفوذ العشائري والتخفي في البوادي.
وفي الشمال، شهدت حلب وإدلب اجتماعات أمنية موسعة لمعالجة ظاهرة “السلاح غير الشرعي”، وأكّد المشاركون ضرورة تعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية والتنفيذية لمواجهة الانفلات الأمني المتزايد. أما الساحل السوري، فيعاني أزماتٍ متداخلة: تتراوح بين حرائق الغابات المدمرة، وتصاعُد جرائم الخطف بدوافع دينية أو مالية، وصولاً إلى هجمات مسلحة عشوائية أسفرت عن سقوط مدنيين وعسكريين. ورغم هذه التحديات، نجحت قوى الأمن السورية في تنفيذ عمليات أمنية نوعية أسفرت عن اعتقال ضباط كبار من النظام السابق مُتّهمين بـ”التورط في عمليات تعذيب وتصفية”، إلى جانب تفكيك خلايا إرهابية مرتبطة بهجمات سابقة.يُظهر هذا المشهد إشكالياتٍ جوهرية تؤكد أن تحقيق الاستقرار المستدام يتطلب تجاوز الاعتقالات اليومية؛ فهو مرهونٌ ببناء أجهزة أمنية احترافية، وكسر شوكة اليليشيات العابرة للحدود، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة في مناطق ما زالت تئنُّ من جراح الحرب.

تنظيم الدولة: تحالفات خفية واستراتيجيات جديدة

  • يُمثل تنظيم “داعش” تهديداً استراتيجياً مستمراً لاستقرار الحكومة السورية الجديدة، مستغلاً الفراغات الأمنية والتحديات الناجمة عن المرحلة الانتقالية. ويتجسد هذا الخطر بوضوح من خلال إعلان التنظيم مسؤوليته عن “44 هجوماً” في سوريا خلال النصف الأول من 2025، أسفرت عن “82 قتيلاً وجريحاً” بحسب بيانات التنظيم. 
هذا وتتكامل أجندات التنظيمات المتطرفة ضمن استراتيجية موحدة لزعزعة الاستقرار، حيث تتبنى مجموعات مثل “سرايا أنصار السنة” خطاباً متطابقاً مع “داعش”، وتركّز على شن هجمات حضرية مروعة تستهدف تشتيت الموارد الأمنية عبر استهداف الأقليات. وتقوم العلاقة بين هذه الجماعات على احتمالين رئيسيين: 
  1. التكامل العملياتي: تعمل “السرايا” ذراعاً تنفيذياً لـ”داعش” في الصحراء السورية والشمال الشرقي، مستفيدةً من بنيته التحتية (مخابئ، شبكات اتصال) دون هيكلية قيادية رسمية. 
  2. التماهي الأيديولوجي: أدى تطابق المرجعيات الفكرية إلى إعلان “السرايا” نيتها للتعاون المستقبلي مع التنظيم، وهو نهج يتسق مع تاريخ “داعش” في تجنب الاعتماد على جماعات واجهة.
ومن الواضح أن الهجمات الأخيرة، مثل تفجير كنيسة مار إلياس، تُظهر تحولاً خطيراً في التكتيكات: الانتقال من البادية إلى المدن، واستغلال الثغرات الأمنية في المناطق الحدودية ومناطق التماس بين قوات الأمن و”قسد”. وتهدف هذه الهجمات إلى تقويض جهود المصالحة عبر تأجيج الطائفية، مستفيدةً من عوامل محلية مثل التذمر الشعبي من بطء محاسبة فلول النظام السابق، ما يخلق بيئة خصبة لانتشار التطرف ويُعزز قدرة التنظيمات على استهداف الاستقرار السوري بعمق أكبر.

قسد: هل تشكل السياسة الأمريكية الجديدة في سوريا نهاية المشروع الكردي؟

  • تُمثل الخطوات الأمريكية تجاه سوريا كرفع العقوبات وإزالة هيئة تحرر الشام من لوائح الإرهاب تحولاً جوهرياً في الرهان الأمريكي من الاعتماد على “قسد” حليفاً ميدانياً إلى الرهان على حكومة دمشق، واستمراراً لسياسة الضغط من واشنطن بقوة لدمج “قسد” في مؤسسات الدولة السورية في إطار استراتيجية أمريكية تركية مشتركة تهدف لتفكيك الكيان المستقل لـ”قسد” وتعويضه بـ”كيان عسكري كردي محدود” تحت مظلة الجيش السوري، مع استبدال الدور الأمريكي في الشمال الشرقي بتركيا كشريك أساسي في مكافحة الإرهاب.
ورغم طلب البنتاغون لتخصيص 130 مليون دولار لدعم “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) و”الجيش السوري الحر” ضمن برنامج مكافحة تنظيم الدولة، تُظهر تفاصيل الميزانية تراجعاً استراتيجياً في دعم واشنطن؛ حيث يشمل الدعم الحالي تدريباً وتأمين مراكز احتجاز عناصر التنظيم وحماية قاعدة التنف، لكن طبيعة التمويل تشهد تحولاً جذرياً عبر: 
  1. انخفاض غير مسبوق في المخصصات: إذ تمثل ميزانية 2026 (130 مليوناً) الأدنى منذ 8 سنوات، مقارنة بـ 160 مليوناً (2023) و148 مليوناً (2025). 
  2. تغيير نوعية الدعم: تحوّل من تمويل “التسليح والمعدات النوعية” إلى تجهيزات أساسية فقط (كـ”أسلاك شائكة”)، حيث خُصص 79 مليوناً من إجمالي المبلغ لمتطلبات لوجستية بسيطة، بينما أُلغيت بنود التسلح. 
  3. تقلص الأهداف: حصر الدعم في مهام محدودة (مكافحة الإرهاب، تأمين المخيمات، تحسين ظروف الاحتجاز)، بعيداً عن تعزيز القدرات القتالية. 
هذا التراجع الكمي والنوعي يعكس إعادة تقييم أمريكية لشراكتها مع قسد، وتوجهاً لاحتواء الالتزامات في سوريا، مع الإبقاء على الحد الأدنى من الوجود لضمان أمن المنطقة، الأمر الذي يضع “قسد” أمام مفترق طرق: القبول بالاندماج تحت ضغط أمريكي تركي سوري متزايد، أو خوض مواجهة عسكرية خاسرة تُنهي وجودها ككيان منفصل.

التدخل الإسرائيلي: الرؤى السورية والإسرائيلية… بين التطبيع والأمن

  • كشف المبعوث الأمريكي لسوريا توم باراك عن مباحثات تمهيدية تجريها واشنطن لصنع اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا، ورغم تأكيد الأطراف أن التطبيع الرسمي “ليس مطروحاً حالياً”. تُظهر هذه الخطوة تحولاً جوهرياً في الأدوار الإقليمية: فبينما تدفع إسرائيل نحو سيناريو سلام شامل يختتم بالتطبيع الكامل، تسعى سوريا لترتيبات أمنية فورية يحدّدها تحديث اتفاقية فك الاشتباك (1974) وتهدئة حدود الجولان. الاختلاف الجوهري هنا يكمن في الرؤى الزمنية والاستراتيجية: 
    المنظور الإسرائيلي يتبنى نهجاً هرمياً يبدأ بضبط الحدود وينتهي بتطبيع سياسي (كـ”جائزة أخيرة”).    بينما المنظور السوري، في ظل أولوياته الانتقالية، يقتصر على ترتيبات أمنية عملية تخفف التصعيد الميداني.    أما الدور الأمريكي فيبدو وسيطاً “لبناء الثقة” دون الاستعجال في تسويات سياسية مبكرة. هذا المسار التفاوضي، رغم بطئه يمثل اختباراً أمام جاهزية دمشق لتبني سياسة براغماتية تجاه إسرائيل رغم الإرث العدائي، ومرونة إسرائيل في قبول حلول مرحلية بعيداً عن شروطها القصوى (كالاعتراف بضم الجولان).

الوضع الاقتصادي: الاقتصاد السوري ما بعد العقوبات على مفترق طرق

  • يمهِّدُ رفعُ العقوبات الأمريكية الطريقَ لإنجازات أولية في التعافي الاقتصادي السوري، يتجلّى في: اندماج الاقتصاد بمنظومات عالمية، وتحسين قطاعات الطيران والطاقة والاتصالات، وإبرام صفقات كبرى (موانئ بـ800 مليون دولار، طاقة لإنتاج 5000 ميغاواط بـ7 مليارات، مشروع إعلامي سياحي بـ1.5 مليار)، فيما يُؤكِّد رفضُ البنك المركزي الاقتراض الخارجي سعيَ الحكومة لبناء “اقتصاد سيادي” قائم على الإنتاج. إلا أن هذه الإجراءات تصطدم بإرث النظام السابق من تدمير بنى تحتية وانهيار ثقة بالقطاع المصرفي وتراجُع إنتاجي وغياب أطر قانونية، مما يحوِّل التحدي الأكبر إلى ترجمة الانفتاح الدولي لتحسُّن ملموس في معيشة المواطن الذي ما يزال يعتمد على التحويلات الخارجية.
  • في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والشعبية، أصدرت وزارة الاقتصاد السورية قراراً يَمنع استيرادَ السيارات المستعملة (باستثناءات محدودة) ويُقيِّد الجديدة بعمرٍ لا يتجاوز سنتين. وبرَّرت القرارَ بـ: تقليص فاتورة الاستيراد واستنزاف العملة الصعبة، وحماية البنية التحتية من تدهور إضافي، وتوجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية، لكن القرارَ اصطدم بواقعين مريرين:
    غياب بدائل محلية تُعوِّض توقف الاستيراد، في ظلِّ انهيار صناعة السيارات السورية.    ارتفاع أسعار السيارات المستعملة، مما أثقل كاهلَ الفئات محدودة الدخل التي تعتمد عليها كخيارٍ وحيد.هذا التناقضُ بين “الهدف الاقتصادي” و”النتائج الاجتماعية” يدفع لتساؤلاتٍ عن جدوى القرار قبل بناء قاعدة إنتاجية قادرة على سدِّ الفراغ، خاصة مع غياب خطط دعم القطاع المحلي.
شارك