مدونات

ما معنى أن تكون طبيبًا في غزة؟

مارس 28, 2025

ما معنى أن تكون طبيبًا في غزة؟

للكاتب: ظاهر صالح


منذ اليوم الأول للعدوان الوحشي على قطاع غزة، في 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، يشنّ الاحتلال حرب إبادة على الفلسطينيين في القطاع، وكانت الكوادر الطبية والمشافي وطواقم الإسعاف أحد أهداف القصف العشوائي الممنهج والهمجي لطيران ونيران الاحتلال، متعمدًا قتل واعتقال الأطباء بهدف ردع مهامهم الإنسانية، في الوقت الذي يُفترض فيه أن يكون الطبيب رمزًا للرحمة والإنقاذ.

يُعتقل الدكتور حسام أبو صفية، مدير مستشفى الشهيد كمال عدوان، في ظروف صادمة داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، حيث يتعرض لتعذيب جسدي ونفسي ممنهج. وفي مشهد يعكس الطبيعة القمعية والممنهجة للاحتلال الإسرائيلي في استهداف الكوادر الطبية الفلسطينية، ثبّتت محكمة بئر السبع التابعة للاحتلال قرار اعتقال الدكتور حسام أبو صفية، لمدة 6 أشهر، بموجب قانون “المقاتل غير الشرعي”. ويأتي القرار في ظل ظروف صحية ونفسية بالغة السوء يعيشها الطبيب أبو صفية داخل سجن عوفر، دون تقديم أي رعاية طبية تليق بوضعه، وهو ما أكدته محاميته غيد قاسم، التي كشفت عن تعرض موكلها للتعذيب الجسدي والضغط النفسي الشديد، في محاولة لإجباره على الإدلاء باعترافات مختلقة.


اعتُقل الدكتور حسام أبو صفية في كانون الأول/ديسمبر الماضي، بينما كان يمارس مهامه الطبية تحت القصف الإسرائيلي في مستشفى كمال عدوان. وخلال الهجوم الإسرائيلي الواسع على شمال قطاع غزة، استهدفت قوات الاحتلال المستشفى بشكل مباشر، ما أدى إلى إصابة أبو صفية واستشهاد نجله في قصف متعمد. قام بعدها الأب المفجوع بدفن فلذة كبده بيديه إلى جوار المستشفى. هذا المشهد الإنساني المروع لم يشفع لأبي صفية عند المحتل، بل زاده قمعًا وسلبًا لحريته، ولم تكتفِ قوات الاحتلال بإصابته جسديًا، بل اقتادته مكبّل اليدين والقدمين إلى التحقيق، وظهر في فيديو نشرته سلطات الاحتلال وهو في وضع بائس، وقد بدا عليه الإرهاق والتعب الشديدان، بينما يتم اقتياده إلى التحقيق مع “جهاز الشاباك”. وبعد أيام، تم تحويل ملفه إلى ما يسمى “الاعتقال كمقاتل غير شرعي”، وهو إجراء تعسفي يستخدمه الاحتلال لاحتجاز الفلسطينيين دون محاكمة عادلة، بناءً على قرار من قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال.


يرى مراقبون حقوقيون أن قضية اعتقال الدكتور أبو صفية ليست معزولة عن سياسات الاحتلال العدوانية التي تستهدف القطاع الطبي الفلسطيني منذ سنوات، وتصاعدت خلال العدوان على غزة. فالطبيب الذي أنقذ حياة الآلاف، بات الآن عرضة للإذلال، والعزل، والتعذيب، فقط لأنه اختار أداء رسالته الإنسانية في ظل أصعب الظروف. ووفق ما صرّحت به المحامية غيد قاسم، فإن أبو صفية تعرض للضرب المبرح أكثر من مرة، وتمنعه إدارة السجن من الحصول على الرعاية الطبية، بل وتضغط عليه بشدة للاعتراف بإجراء عمليات جراحية لأسرى لدى المقاومة الفلسطينية، في محاولة لتلفيق تهم جنائية تربط العمل الإنساني بالمقاومة المسلحة. كما أشارت قاسم إلى محاولات حثيثة من إدارة السجون لعزله عن محيطه القانوني، وحرمانه من التواصل مع محاميته، ما يعد انتهاكًا صارخًا لأبسط قواعد العدالة.


هذا الانتهاك المزدوج، للطبيب كمواطن فلسطيني وللرسالة الطبية كأداة إنقاذ حياة، يكشف عن حجم عدوان الاحتلال، ليس فقط على الإنسان الفلسطيني، بل على كل ما يمثل روح الحياة في غزة، من مستشفيات ومدارس وبنية تحتية وحتى الرموز الاجتماعية. أصبح الدكتور حسام أبو صفية، رغم ما يعانيه، رمزًا للصمود الفلسطيني، يجسّد بإصراره على أداء رسالته رغم القصف وفقدان ابنه، صورة من صور البطولة اليومية في غزة. وتحاول سلطات الاحتلال النيل من هذه الرموز، لأنهم يشكّلون تهديدًا لسرديتها التي تصف العدوان بأنه “دفاع عن النفس”. فوجود طبيب في مستشفى ميداني تحت النار، يرعى الجرحى ويدفن ابنه ثم يُعتقل، يدحض تلك السردية ويكشف زيفها.


ويأتي تثبيت الحكم عليه بالتزامن مع استئناف قوات الاحتلال عدوانها على قطاع غزة، بعد هدنة دامت ما يقارب شهرين فقط، ضمن اتفاق هش لوقف إطلاق النار. ومع استمرار الاحتلال في خرق الاتفاقات وشن الغارات، يصبح من الواضح أن معركة غزة ليست فقط بالأسلحة، بل هي أيضًا معركة رواية وصورة، يحاول فيها الاحتلال إسكات كل صوت يفضح جرائمه. وفي هذا السياق، يبدو أن اعتقال أبو صفية ليس قرارًا عشوائيًا، بل خطوة محسوبة ضمن سلسلة ملاحقة للكوادر الإنسانية والطبية، التي تحظى بثقة الشارع الفلسطيني وتحظى بتقدير المجتمع الدولي. ويخشى أن يتحوّل اعتقاله إلى نموذج لإرهاب الأطباء وردعهم عن أداء مهامهم، بما يشكّل سابقة خطيرة تجرّم العمل الإنساني.


في ظل صمت دولي مريب، يواصل الاحتلال ارتكاب جرائمه بحق كل ما هو إنساني في قطاع غزة، من خلال اعتقال الكوادر الطبية وتعذيبهم، كما في حالة الدكتور حسام أبو صفية. إن تحويل الأطباء إلى “مقاتلين غير شرعيين” هو استهداف للهوية الفلسطينية الجامعة، ومحاولة لتجريم صمود غزة بكل رموزه. لكن ما لا يفهمه الاحتلال أن اعتقال طبيب قد يزيد من رمزيته، وأن صورة رجل أنقذ حياة آلاف المدنيين ستظل حية في وجدان الشعوب، ولو كبلوه بالسلاسل وعزلوه خلف القضبان. وأن يُعتقل طبيب أثناء تأدية واجبه، ثم يُضرب ويُعذّب ويُهان، وتُخفى أخباره، هو عار على من يدّعون الدفاع عن “حقوق الإنسان” في العالم.


إن استمرار صمت المجتمع الدولي حيال هذه الانتهاكات يُعد مشاركة غير مباشرة في جريمة التعذيب التي تُرتكب بحق أبو صفية وغيره من الأطباء والعاملين في القطاع الصحي. فكل دقيقة يقضيها الطبيب أبو صفية في زنزانته المعتمة، هي طعنة في جسد الإنسانية، واختبار قاسٍ لمصداقية المنظمات الحقوقية في مواجهة آلة القمع وحرب الإبادة بحق الإنسان الفلسطيني

شارك

مقالات ذات صلة