رمضان ليس شهراً عابراً في تقويم الأمة، بل هو روح تسري في جسدها المتعب، توقظه من غفلته، وتعيد إليه ذاكرة الجماعة بعد أن مزقتها الأهواء والصراعات. إنه الشهر الذي تتساوى فيه الأعمار والمقامات، فيه يجوع الجميع في توقيت واحد، ويفطر الجميع على أذان واحد، وتعلو فيه الدعوات من كل أقطار الأمة متحدةً على مطلب واحد، النصر والتمكين.
حين تتأمل في روح هذا الشهر، تدرك أن الله قد شاء له أن يكون دورة تدريبية للأمة كي تعود إلى فطرتها، فتمارس الوحدة شعوراً وسلوكاً لا شعاراً، وتدرك أن اختلاف ألوانها ولهجاتها لا ينفي وحدة صيامها وإفطارها، وكأنها تُدعى في كل رمضان إلى أن ترى صورتها كما يجب أن تكون، لا كما أراد لها أعداؤها أن تكون.
رمضان هو الشهر الذي يوقظ القلوب من سباتها، لكن الأهم من ذلك أنه يوقظ ذاكرة الأمة. لم يكن عبثًا أن يكون هذا الشهر شاهداً على أكبر انتصاراتها، فمن بدر إلى فتح مكة إلى حطين، كانت الأمة في رمضان تستعيد بوصلة الوحدة، فتسير إلى معاركها وقد أدركت أن طريق العزة يبدأ من وحدة الصف. واليوم، ونحن نعيش ذكرى طوفان الأقصى، كيف لنا أن ننسى كيف تحولت الأمة في رمضان الماضي إلى جسد واحد، تتنادى مآذنها بدعاء القنوت، وتهتز منابرها بأصوات المخلصين، وترتفع أيديها مستغيثةً أن “اللهم انصرهم وثبّتهم”، حتى صار رمضان الماضي شاهدًا على أن الأمة، رغم جراحها، لا تزال حية.
لقد كان طوفان الأقصى درسًا قاسيًا للأمة، لكنه في الوقت نفسه كان أصدق اختبار لوحدتها. رأينا كيف اجتمعت القلوب من كل مكان على مناصرة غزة، وكيف صام الأحرار على مائدة العزة، وكيف وحّد الدم الفلسطيني الشوارع من جاكرتا إلى الرباط، فخرجت الأمة من قيود حدودها المصطنعة، وكأن هذا الجسد الذي تمزق لعقود قد التحم في لحظة صدق، فأعاد صياغة نفسه من جديد.
رمضان لا يعلمنا فقط أن نصوم عن الطعام، بل أن نصوم عن التفرقة، عن الخذلان، عن الأوهام التي زرعوها في عقولنا بأن الوحدة مستحيلة. إن الذين قالوا لنا إن الأمة مجرد فكرة مثالية، جاء رمضان ليقول لنا إنها حقيقة واقعية، لكنها تحتاج إلى قلوب تعرف قيمة الجماعة، وعقول تدرك أن طريق الوحدة لا يكون بالمساومات السياسية، بل بالتربية الروحية والوعي الحضاري.
نحن اليوم أمام فرصة جديدة. رمضان لا يأتي لكي نكرر الأخطاء ذاتها ونخرج منه كما دخلناه، بل يأتي ليقول لنا: أنتم أمة واحدة، فكونوا على قدر هذا الوصف. الأمة اليوم تحتاج إلى إعادة اكتشاف ذاتها، وتحتاج إلى من يذكرها بأن المائدة التي تجتمع عليها وقت الإفطار يجب أن تتسع لكل أبنائها، لا أن يظل بعضهم محاصرين في العزل السياسي والفرقة المذهبية.
إن الأمة التي توحّدت في دعائها، وبكت في مساجدها على أطفال غزة، وصامت على وقع أنينهم، لن تعود كما كانت من قبل. رمضان الماضي لم يكن مجرد شهر في التقويم، بل كان شاهدًا على أن الأمة حين تريد أن تتوحد، تستطيع. فهل نملك الإرادة لأن يكون رمضان هذا العام استمرارًا لذلك اليقين، أم أننا سنضيّع الدرس ونعود إلى التيه من جديد؟