ألم التعافي السوري: بين عثرات المرحلة ورهانات الهدم
ألم التعافي السوري: بين عثرات المرحلة ورهانات الهدم
الكاتب: أسامة أحمد نزار صالحيُروى أن مديرًا ماليًا في إحدى الشركات استدعى رئيس قسم الحسابات وقال له: «أراقب قسمك فلا أرى صراعًا ولا شكوى، وهذا يثير قلقي؛ إذ إن غياب المشكلات دليل على غياب العمل، فالسكينة في العرف الإداري العتيق ليست سوى مرادف للجمود». هذه الحقيقة الإدارية تبدو اليوم مرآةً صادقة لواقع سوريا وهي تخوض مخاض التحول العسير؛ فالهدوء غالبًا ما يكون سكونًا زائفًا فوق الركام، بينما الضجيج والنقد والاعتراضات تجاه أداء الحكومة والمرحلة الانتقالية لا تعني بالضرورة إخفاقًا، بل هي الضريبة الطبيعية لبعث الحياة في جسد أنهكه الاستبداد، وعلامة عافية على بدء التعافي الشعبي والسياسي. ركام نتاج نصف قرنعندما اندلعت الثورة السورية عام 2011، كشفت حجم التفكك الهيكلي الذي وصل إليه الجسد السوري، وتضاعف وهن النظام رغم منشطات السلطة وأوهام الاستمرارية. تقيم سوريا اليوم فوق ركام نظام شمولي أرست قواعده سلطة حزب البعث، ثم تحول إلى مسخ مشوه على يدي الأسد الأب وابنه، لا سيما بعدما راهن الأخير على الحليفين الروسي والإيراني لتثبيت حكمه. منذ زهاء نصف قرن، دخلت البلاد خريفًا عنيفًا وممتدًا، تساقطت فيه أوراق التعايش الاجتماعي، وتداعت مقومات دورها الإقليمي بعدما استحال النظام إلى إطفائي مهووس بإشعال الحرائق. ومع تكلُّس مفاصل الدولة، وانتشار الاقتصاد الأسود والمحسوبيات، اكتملت رحلة البلاد نحو الانهيار الشامل وسط ركام إداري واقتصادي متداعٍ وتحديات جسام، فيما تقضم إسرائيل أجزاءً من أرضها. دروس من سفر التاريخوليس المشهد السوري اليوم بدعًا في سفر التاريخ؛ فكل الأمم التي عبرت نحو الاستقرار خاضت هذا الامتحان العسير: إنكلترا: لم تسترد عافيتها بعد انقضاء حقبة «كرومويل» الشمولية إلا عبر رحلة شاقة لنفض آثار الاستبداد والعودة إلى المؤسسات وسيادة القانون. فرنسا: لم تبنِ جمهوريتها المستقرة غداة سقوط الاستبداد فوراً، بل مرت بمخاض دموي وتخبط إداري حتى استقرت هياكل الدولة وتجاوزت محاذير التعصب. ألمانيا واليابان: كان نهوضهما من تحت ركام الحرب العالمية الثانية رهينًا بقطيعة جذرية مع أوهام الماضي واستثمار ذكي في الدعم الدولي، حيث أرسى قادة من طينة «كونراد أدينور» و«شيغيرو يوشيدا» قواعد معجزتين اقتصاديتين من وسط الرماد. كوريا الجنوبية: تحول الفقر الشديد والتجاذب الإقليمي فيها، بفضل إدارة صارمة ومؤسسات صلبة، إلى نهضة شامخة. إن هذا التقاطع التاريخي هو ما يجعل المرحلة الانتقالية السورية أشد حساسية وتعقيدًا؛ فهي تجمع بين حتمية الخروج من حكم شمولي مغلق (كما في التجربة الإنكليزية)، وحجم دمار مادي وبشري يقترب من واقع اليابان وألمانيا غداة الحرب، إلى جانب فقر شديد وحاجة إلى صرامة إدارية في بيئة إقليمية مضطربة (كما في الحالة الكورية). بين تحديات الراهن ومنجزات العبورإن إعادة إعمار سوريا وإعادتها دولةً طبيعية ذات سيادة وفعل ليست مهمة إدارية أو تنموية عادية، بل هي أقرب إلى المهمات المستحيلة؛ إذ يتطلب التقدم في كل شبر حل معضلة معقدة وسط أفق مليء بالمخاطر وتضارب المصالح. لكن خطورة هذه اللحظة تكمن في احتمال تحوّل المرحلة الانتقالية من قاطرة عبور نحو الاستقرار إلى حالة ممتدة من التخبط وإنتاج المشكلات. وهنا تقع المسؤولية السياسية والتاريخية على عاتق الحكومة والعهد الجديد في ضبط البوصلة، ومنع السيولة الإدارية من أن تغدو عجزًا دائمًا. ورغم ضخامة الهوة وتهاوي البنية التحتية، لا يمكن لمنصف أن ينكر الإنجازات التي حققتها الحكومة في ظل ظروف شبه مستحيلة؛ فقد نجحت في كبح التداعي التام لمؤسسات الدولة، وأعادت تشغيل المرافق الخدمية والإدارية الأساسية، إلى جانب نجاحها الأمني في تفكيك الأجهزة الأمنية البائدة من دون الانجراف إلى الفوضى، وتأسيس قوى جديدة لإنفاذ القانون، مثل جهاز الأمن العام الذي رُفد بمنشقين وكفاءات وطنية من مختلف المشارب. يضاف إلى ذلك النجاح في ملف حماية الأقليات وتدشين مسار العدالة الانتقالية، وهو ما حال دون اندلاع حرب أهلية طائفية، إلى جانب التعاطي الحذر مع الملفات الشائكة؛ من تجنب الصدام في الساحل وإدارة ملف السويداء، وصولًا إلى معالجة ملف الإدارة الذاتية (قسد). أما الأهم استراتيجياً، فهو الخروج من محور الارتهان الإيراني ومن الشق العسكري للصراع مع إسرائيل، واستعادة حضور سوريا في المحافل الإقليمية والدولية بعد عقود من العزلة؛ وهو الحضور الذي تُوّج برفع العقوبات الغربية، ودخول سوريا شريكًا في التحالف الدولي ضد الإرهاب بعدما كانت مصنفة ضمن الدول الراعية له. صرخة الشارع ورهانات التشويشغير أن هذه الإنجازات لا تحجب الثغرات التي ترافق الأداء الانتقالي؛ فالارتباك الإداري، والإنهاك المعيشي المتمثل في تآكل القوة الشرائية، وتذبذب الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه، إلى جانب بطء تفكيك الروتين البيروقراطي الموروث، كلها عوامل تغذي قلقًا مشروعًا في الشارع. وهنا تتجلى صرخة السوري: صرخة معجونة بألم السنين وضغط الفقر والرغبة في رؤية أثر التغيير ينعكس على موائده وتفاصيل يومياته اليوم قبل الغد. لكن القراءة التحليلية تظهر أيضًا أن جزءًا من هذا الضجيج والتشويش لا ينطلق من نوايا بريئة؛ إذ تجتهد أطراف متضررة من التحول الجديد في تغذية الغضب الشعبي وتضخيمه، وتجنيد أدوات إعلامية ورقمية لشيطنة المسؤولين وتصوير كل عثرة إدارية وكأنها إخفاق بنيوي. الهدف هنا ليس النقد البناء أو ممارسة الرقابة الشعبية كأداة للتصويب، وإنما وضع العصا في الدواليب وتحويل النقد إلى سلاح لهدم الثقة بين الشعب وحكومته الناشئة. خريطة الطريق نحو النجاةإن المخرج من هذا الضجيج المتلاطم لا يكون بالنكوص إلى الإنكار أو محاولة قمع الصوت المعارض، وإنما بالاستناد إلى الشفافية ومكاشفة الشارع بالحقائق كما هي، والإسراع في سن القوانين الانتقالية الجديدة بدلًا من الترقيع بتركة قوانين النظام البائد. كما تتطلب اللحظة تحريك الأغلبية الصامتة وتأطيرها ضمن تيار سياسي وازن، يُعلي من شأن البراغماتية السياسية ويتبنى عقيدة «سوريا أولًا» بوصفها بوصلة للنهوض لا تقبل المساومة. وهنا نعود إلى نقطة البداية، إلى ذلك المدير المالي الذي هالته السكينة فعدّها مرادفًا للجمود: إن هذا الضجيج السوري اليوم ليس إعلانًا عن الموت ولا نذيرًا بالفشل، بل هو صوت دوران المحرك من جديد، وألم التئام الجرح في جسد يعيد اكتشاف الحياة؛ فالخطر الحقيقي لم يكن يومًا في وجود المشكلات والاعتراضات، وإنما في الهروب منها ونشدان السكينة الزائفة فوق الرماد.