مدونات
أسامة أحمد نزار صالح
في ليلة شديدة البرودة، يسأل طفل والدته عن سبب عدم إشعال المدفأة، فتجيبه بأسى: “لا نملك المال لشراء الفحم.” وعندما يسأل باستغراب: “لماذا لا يعمل أبي ويجلب الفحم؟” تأتيه الصدمة: “لأن هناك فائضاً في الفحم.” هذه المفارقة البسيطة تلخص ما يُعرف بـ “دورة الأزمة” في الأدبيات الاقتصادية؛ حيث يقود فائض الإنتاج إلى شلل الأسواق والانكماش، ولا يزول هذا الانسداد إلا عبر عملية “تصحيح قاسية” تعيد التوازن بين العرض والطلب. وفي الشرق الأوسط، يبدو التاريخ وكأنه يعيد إنتاج الدورة ذاتها، ولكن بلغة الجيوسياسة؛ فالإقليم لم يعانِ يوماً من شحّ في المشروعات أو الهويات، بل من “فائض جيوسياسي” متراكم: فائضٌ في الأيديولوجيات العابرة للحدود، وفائضٌ في السلاح والميليشيات والوكلاء، وفائضٌ في التدخلات الدولية التي امتهنت إدارة الأزمات بدلاً من حلها. هذا الفائض المتضخم هو الذي أدخل المنطقة في حالة انكماش حضاري وتنموي طويل، وحوّلها إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. ومنذ عقود، يعيش الإقليم على وقع هذه الذروة الممتدة؛ تتجاذبه العواصف والألغام، وتتنازعه الأحلام والأوهام. أزمةٌ تتعدد أطرافها بين العرب والفرس والأتراك والأكراد، وتتقاطع فيها هوية السنة والشيعة واليهود والمسيحيين. للجميع هنا ذكرياتٌ متباينة؛ مجدٌ قديم يحنون إليه، وانكساراتٌ جائرة يحاولون إلغاءها، وأمراضٌ نائمة تحت رماد النسيان وأخرى تعاود الانتكاس. وكان من الطبيعي، أمام هذا الانسداد التاريخي، أن تشهد المنطقة مغامراتٍ ومغامرين، ومحاولاتٍ يائسة لإدارة هذا الفائض عوضا عن تصفيته. وإذا ما أُسقطت “دورة الأزمة” على التاريخ الحديث للشرق الأوسط، تتكشف ملامحها عبر تحولات جيلية متلاحقة. فقد افتُتحت مرحلة الانكماش المعاصر مع احتضار “الرجل المريض” واقتسام تركة السلطنة العثمانية بين الانتدابين البريطاني والفرنسي، وهي الهندسة التي توّجت بولادة إسرائيل. ومع انقضاء الحرب العالمية الثانية وانتقال مقود الإدارة الدولية إلى القطبين الأمريكي والسوفيتي، تفاقمت مفاعيل هذا الانكماش لتستولد الظاهرة الناصرية، قبل أن تتوج بتأسيس نظام الملالي في إيران. ثم دخلت المنطقة طور الأزمة المكتملة؛ يوم انفردت واشنطن بإدارة الشرق الأوسط عبر استراتيجيات التفوق الإسرائيلي النوعي، والاستثمار في حكم الأسد الأب الفئوي في سوريا ولبنان، وإدارة التنافس بين دول الخليج وإيران، وتوظيف تركيا كـ رأس حربة ومخفر متقدم للأطلسي، وترسيخ قواعد اشتباك تكتفي بضبط الأزمة ومنع انفجارها الشامل. واليوم، تتبدى هذه الوفرة المعطلة في أعتى صورها عبر جبهتين متداخلتين؛ أولاهما إسرائيل، كدولة احتلال ترفض الإقرار بحدود نهائية أو التسليم بقيام دولة فلسطينية، حيث يجاهر رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو، منذ طوفان الأقصى بخوض حروب متعدّدة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بالقوة. وثانيتهما إيران، التي كشف الطوفان عن المدى التجريفي لمشروعها؛ إذ لا تعترف هي الأخرى بحدود لنفوذها الإقليمي، وتسعى لإعادة صياغة الإقليم عبر الاختراقات المباشرة أو استراتيجيات التطويق عند تعذر الاختراق، ممارسةً -عبر حربها مع واشنطن وتوظيف خبراتها في احتجاز الرهائن- سياسة احتجاز المضايق البحرية ومحاولة أسر الاقتصاد العالمي، مما جعل الشرق الأوسط يترنح على شفا مراوحة قاتلة بين حروب بلا حدود وكوارث اقتصادية ووجودية متلاحقة. وفي مقابل هذا الانسداد الذي أثبتت الضمانات التقليدية عجزها عن إدارته، تبرز قوتان إقليميتان تتخذان خطاً مناقضاً تماماً لمنطق المغامرة والهيمنة الشاملة؛ حيث تقدمان نموذجاً يقوم على تحويل القوة الاقتصادية والتنموية إلى ركيزة للسيادة والاستقرار. تتمثل القوة الأولى في السعودية؛ القوة النفطية والمالية الكبرى التي اختارت مساراً استراتيجياً يجعل من الاستثمار في الاقتصاد المصدر الأول للنفوذ والإسناد، بعد أن أثبتت كلفة الصراعات الإقليمية أن التنمية المستدامة تتطلب بالضرورة بيئة صفرية من الأزمات. إذ تمضي الرياض في تشييد بنى تحتية عملاقة، ومطارات ومدن حديثة، واستثمارات عالمية عابرة، بالتوازي مع بناء قدرات دفاعية صلبة ترصد لها إحدى أضخم الميزانيات الدفاعية عالمياً؛ قوة موجهة لحماية مكاسب الداخل وردع التهديدات، لا للتوسع العدائي، حيث تبقى كل مشاريعها الخارجية ذات طابع اقتصادي وتنموي حذر. أما القوة الثانية فهي تركيا؛ القوة الإقليمية الصلبة التي مرت بتحولات تاريخية مريرة لتصل إلى واقعها الراهن. فبعد الدور المحوري والتاريخي للراحل نجم الدين أربكان، الأب الروحي للإسلام السياسي التركي، في اتخاذ قرار التدخل العسكري في قبرص عام 1974 لاقتطاع وتأمين الجغرافيا الشمالية للجزيرة حمايةً للوجود التركي -وهو القرار الذي أنهى عقوداً من الانكفاء التركي- دخلت البلاد في أزمات اقتصادية خانقة وعقوبات غربية صارمة، أفضت إلى اقتتال داخلي وانقلاب عام 1980 الذي جَمّد الحياة السياسية. لكن مع مطلع الألفية، انبثقت من عباءة التيار ذاته تجربةٌ أعدها جيلٌ جديد أكثر براغماتية وواقعية بقيادة رجب طيب أردوغان؛ فشهدت تركيا طفرة غير مسبوقة في البنية التحتية وجذب الاستثمارات، ترافق مع تقليم تدريجي لنفوذ المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية. وبهذا التحول، خرجت أنقرة من جلباب “المخفر الحدودي المتقدم” لحلف شمال الأطلسي، لتتحول إلى لاعب إقليمي صلب يمارس حضوراً مدروساً —يمزج بين الحضور العسكري الميداني لحماية أمنه القومي واستغلال النفوذ الجيوسياسي— متمسكاً بمهارة الحفاظ على التوازن الدقيق بين التزاماته مع المعسكر الغربي وشراكاته الاستراتيجية المتنامية مع دول الشرق. ومع تنامي الثقل الاقتصادي لكل من الرياض وأنقرة، تتبدى المصلحة الحيوية المشتركة للدولتين في التهدئة وتأسيس التفاهمات الإقليمية المستدامة؛ مصلحةٌ تنبع من ضرورة حماية أصولهما الاقتصادية الضخمة، وتأمين البيئة الكفيلة بضمان تدفق الاستثمارات واستمرار النمو. فالاقتصادات العملاقة والمدن الحديثة لا تنمو في مجالات تتطاير فيها الشرارات، مما يفرز حاجة جيوسياسية ماسة لتبريد الجبهات وتصفية بؤر التوتر. وهنا يطرح السؤال الكبير نفسه على جغرافيا الإقليم المنهكة: كيف ستكتب الخاتمة لهذه الأزمة الممتدة؟ هل تنتهي الدورة عبر صراع ذاتي محتدم بين هذه النماذج المتناقضة؛ نموذج العدوانية التوسعية الإسرائيلية، ونموذج تصدير الثورة والميليشيات الإيراني، ونموذج الاستثمار في الاقتصاد والازدهار الذي تمثله السعودية وتركيا، فتتولى “اليد الخفية” للجيوسياسة –على طريقة أدام سميث– فرز الأقوياء وتصفية الفائض وإرساء محصلة توازن جديدة تشكل نهاية الأزمة؟ أم أن الخروج يتطلب تدخلاً قسرياً من الخارج، على طريقة “الكينزية الاقتصادية” لجون ماينارد كينز، حيث يعود دونالد ترامب لإخراج مفاتيح الحل من درج البيت الأبيض، ليبرم صفقة كبرى مع بكين وموسكو تعيد ترسيم الخرائط وتصيغ الخاتمة بقرار دولي فوقي؟ بين الموازنة الذاتية لقوى الإقليم وتدخل الجراح الدولي، يقف الشرق الأوسط في منتصف الطريق، بانتظار اللحظة التي يُرفع فيها الستار عن المشهد الأخير لدورة أزمته الطويلة.