مدونات
الكاتب: كمال عيشة
عندما دوّن نيكولو مكيافيلي رؤيته عن الحكم في كتاب الأمير عام 1513، لم يكن يتصوّر أنّ أفكاره التي أثارت جدلًا أخلاقيًّا لقرونٍ ستتحوّل، بعد خمسة قرون، إلى منطقٍ خفي لإدارة الدول في عصر الديمقراطيات والشاشات والتدفق اللحظي للمعلومات. فالميكافيلية — تلك الفلسفة التي تُقدّم كفاءة السلطة على الاعتبارات الأخلاقية وتبرّر الوسيلة بالغاية — لم تختفِ، بل تطورت، وأصبحت أكثر تعقيدًا وخفاءً. أدواتها اليوم لم تعد الخناجر والسموم، بل الخوارزميات، والحملات الرقمية، والروايات المتناقضة التي تُدار بدقة.
تعتمد الميكافيلية المعاصرة على ثلاث ركائز أساسية: أولها نزع الشرعية عن الخصم عبر تشويه صورته بشكلٍ منهجي، وثانيها استخدام الكذب الاستراتيجي كأداة إدارة، وثالثها تغيير قواعد اللعبة بسرعةٍ قبل أن يتمكّن الخصم من التكيُّف. الفارق الجوهري أنّ هذه الممارسات لم تعد تُنفَّذ في الظلّ، بل أمام أعين الجمهور، بل وتُشركه—دون وعي—في تنفيذها.
لنتأمل نموذج الحرب الروسية على أوكرانيا. قبل الغزو وبعده، استخدم الكرملين نموذجًا ميكافيليًّا كلاسيكيًّا: إنكار النية حتى اللحظة الأخيرة. في 23 فبراير 2022، صرّح المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف بأنّ الحديث عن هجومٍ وشيك «محضّ هراء»، وبعد ساعاتٍ بدأت العملية العسكرية. لم يكن ذلك تناقضًا عفويًّا، بل تطبيقًا مباشرًا لمبدأ مكيافيلي القائل إنّ الحاكم لا يجب أن يلتزم بوعوده إذا تعارضت مع مصلحته. الجديد هنا أنّ الكذب لم يُوجّه للخارج فقط، بل للداخل أيضًا، عبر سردية «العملية العسكرية الخاصة» التي تطورت تدريجيًّا إلى حرب استنزاف طويلة.
في الولايات المتحدة، تتّخذ الميكافيلية شكلًا مختلفًا. بعد خسارته انتخابات 2020، أطلق دونالد ترامب حملة منظّمة للطعن في النتائج، رغم غياب أدلة قضائية حاسمة. الهدف لم يكن إثبات التزوير، بل زعزعة الثقة في العملية الديمقراطية نفسها، تمهيدًا لعودة سياسية. هنا لا يتحوّل الكذب إلى وسيلة إقناع، بل إلى أداةٍ لإعادة تعريف الحقيقة، بحيث تصبح قابلة للتأويل والاستهلاك الجماهيري.
المشهد ذاته تكرّر في البرازيل مع جايير بولسونارو، الذي شكك لشهور في نزاهة نظام التصويت الإلكتروني، ممهّدًا لرفض محتمل للنتائج. وعندما خسر أمام لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، التزم صمتًا محسوبًا سمح لأنصاره بالتحرُّك، وانتهى الأمر باقتحام مباني السلطة في 8 يناير 2023. هذا هو «التنصُّل الاستراتيجي»: إطلاق الشرارة ثمّ الابتعاد عنها.
في الشرق الأوسط، قدّمت الربيع العربي نموذجًا مركبًا للميكافيلية الحديثة. في سوريا، استخدم نظام بشار الأسد مزيجًا من القوة المفرطة والتكتيك السياسي. بينما كان الخطاب الرسمي يتحدّث عن إصلاحات، كانت العمليات العسكرية تتصاعد على الأرض، بما في ذلك استخدام أسلحة محظورة دوليًّا. وفي الوقت نفسه، جرى تحويل طبيعة الصراع من «انتفاضة داخلية» إلى «حربٍ على الإرهاب» مع صعود تنظيم داعش، وهو تحوُّل في السرد منح النظام مساحة أوسع للمناورة.
في مصر، يمكن تتبّع ملامح الميكافيلية السياسية في إدارة التحوُّلات بعد 2013. مع صعود عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، جرى تقديم المشهد تحت عناوين مثل «استعادة الاستقرار» و«تصحيح المسار». اعتمدت الدولة على مقاربة مزدوجة: تشديد القيود القانونية على المجال السياسي بدعوى الأمن القومي، بالتوازي مع الترويج لصورةٍ اقتصادية منفتحة عبر مشروعاتٍ قومية ومؤتمرات دولية. هذا التوازن بين القبضة الأمنية داخليًّا والانفتاح الخارجي يعكس منطق إدارة السلطة كما يُمارس عالميًّا.
أخطر تحوُّل في الميكافيلية المعاصرة يتمثّل في توظيف التكنولوجيا. كشفت فضيحة كامبريدج أناليتكا كيف يمكن التأثير على سلوك ملايين الأفراد عبر تحليل بياناتهم النفسية. لم يعد الهدف التأثير على النخب، بل إعادة تشكيل وعي جماهير كاملة من خلال رسائل مصمّمة خصيصًا لكلّ فئةٍ وفق مخاوفها وميولها.
في الهند، استخدم حزب بهاراتيا جاناتا بقيادة ناريندرا مودي منصات مثل واتساب لنشر شائعاتٍ حول المسلمين خلال الانتخابات. ورغم وضوح زيف العديد من هذه الادعاءات، فإنّها نجحت في تعبئة القاعدة الانتخابية عبر إثارة الخوف والغضب. وعندما طُرحت المساءلة، جرى التقليل من شأن هذه الحملات باعتبارها «تصرفات فردية».
الميكافيلية اليوم لم تعد مجرّد كذب يُكتشف لاحقًا، بل أصبحت عملية خداع لحظية يُعاد إنتاجها باستمرار. الأخطر أنّها تدفع الجمهور للمشاركة فيها، عبر التفاعل والنشر وإعادة التدوير. لم يعد المعيار هو الحقيقة، بل القدرة على الانتشار. هنا يتغير المنطق: بدلًا من «الغاية تبرر الوسيلة»، يصبح «الانتشار يبرر الرواية».
السؤال المطروح: هل أصبحنا في عالم ميكافيلي خالص؟ الواقع أكثر تعقيدًا. فهذه الممارسات باتت تُكشف بشكلٍ متزايد عبر الصحافة الاستقصائية، ومنصات التحقّق، ونشاط المجتمع المدني. كثير من الحالات السابقة انتهت بتكاليف سياسية—عقوبات، عزلة، أو تآكل في الشرعية.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في سرعة هذه الميكافيلية الجديدة. فهي تتحرّك بوتيرةٍ أسرع من قدرة المجتمعات على الاستجابة. وبينما يستغرق النقاش العام وقتًا لتفنيد رواية ما، تكون هذه الرواية قد أدت وظيفتها بالفعل.
لذلك، فإنّ المواجهة لا تكون عبر الوعظ الأخلاقي، بل عبر بناء مؤسسات قوية، وإعلام مستقل، ومواطن قادر على التشكيك والتحليل. ليس المطلوب تبني الميكافيلية، بل فهم أدواتها لكشفها.
في النهاية، الميكافيلية السياسية لم تختفِ، لكنّها لم تعد قدرًا محتومًا. كلما ازداد وعي المجتمعات بآلياتها، تراجع تأثيرها. والسؤال لم يعد: هل هي موجودة؟ بل: هل نمتلك القدرة على كشفها كلما غيّرت شكلها؟

