تجارب

كنان وأوركيدا.. الملتقى تحت عرش الرحمن

يوليو 28, 2026

كنان وأوركيدا.. الملتقى تحت عرش الرحمن

كتبته د. آلاء القطراوي بتاريخ ٢٧ يوليو ٢٠٢٦

صباح الخير يا كناني وأوركيدتي..
في هذا الصباح تصبحان في التاسعة من عمركما، ثلاثةُ أعوامٍ على رحيلكما، يبدو عمراً طويلاً جدًّا وثقيلاً للغاية، ولأنَّني أُمٌّ لا أستطيع تقبُّل فكرة أن يمضي عيد ميلادكما دون أن أقول لكما عيد ميلاد سعيد، ولأنَّكما الآن في البرزخ، وأنا لم أزل في الحياة الدنيا، قرَّرت أن أكتب لكما لأنَّني أتخيَّل أنَّكما تفرحان بهذا وتصنعان حفلةً هناك وأنتما تقولان:
“ماما كتبت لنا رسالةً في عيد ميلادنا ..”

حبيباي..
الحياة هنا قاسية للغاية، لأنَّ الإنسان آثر أنانيته على إيثاره، والكذب على الصدق، والنِّفاق على الحقيقة، وسوء الظنِّ على سلامة القلب، والمادة على اللَّه، يبدو وكأنَّني أسير على أرضٍ خشنة للغاية، تُدمى قدماي كثيراً، ولكنني أشيح بنظري عن كل ذلك الدم النازف، وأمضي، أتذكر دائماً قولة أهل اللَّه (ملتفتٌ لا يصل).
والالتفات ليس للنزيف بحدِّ ذاته، لأنَّ التَّركيز مع النزيف سيقودني للتركيز مع المسببات، وهذا سيقودني إلى دوَّامة لا تنتهي، ربَّما أراه نزيفاً مؤذياً لقلبي وعيني، وهو في عينِ اللَّه أجر وترقية.
لم تزل غزَّة على حالها، العالم من حولها يتابع استعراض جماله في كلِّ شيء، من مبارياتٍ وطعام وشراب وسياحة وحب، وهنا في غزَّة أسهر في معركةٍ يوميَّة مع البعوض وحشراتٍ لا أعرف اسمها بحقّ، تأكل من روحي قبل جسدي، عدا عن الحرِّ الشديد، وانقطاع الكهرباء، وفوق كلِّ هذا أنَّني أفتقدكما كثيراً ..

لكن ليس مهمًّا كلّ هذا..
المهم أنَّني أحبُّ اسميكما وما زلت أحبُّ الحديث عنكما أحياناً بفرحٍ كطفلة، أتذكَّر في حوارٍ من فترة قريبة قلت لأحدهم: “وأوركيدا تحبُّ هذا إنَّها تحبُّ وضع المناكير على أظافرها وتُفضِّل الحذاء بكعبٍ مرتفع”، قلت هذا وعيوني تلمع، وفجأة خَفَتَ كلُّ شيءٍ حين تذكَّرت أنَّكِ لستِ موجودة يا أوركيدتي.
لكنّ هذا ليس مهمًّا أبداً..
لا عليكِ من هذا، أحاول دائماً أنْ أكون قويَّةً وأفضل وأكثر إشراقاً، لأنَّني أتذكَّر دائماً أنَّكِ لا تحبِّين بكائي، لكن لا تحزني إنْ بكيت، فالبكاء عليكِ حين يصبح قلبي فارغاً يعيدكِ إلى حضني بطريقةٍ ما ..

كنان، أوركيدا:
لدي الكثير من الأسئلة لكما، أحاول ألا تستغرقني لكنَّها كثيراً ما تحاصرني، ماذا تفعلان؟ هل ازداد طولكما؟ هل تدرسان؟ مَن أصدقاؤكما؟ هل مازلتما تغاران من بعضكما البعض؟ هل تتعاركان؟ من أقرب الأنبياء لكما؟ مَن هو الملك المفضَّل لديكما؟ هل تكلّمان اللَّه عزَّ وجلَّ دائماً؟ هل صادقتكما حملة العرش؟ هل تدعوان لي؟ هل تشتاقان لي كما أفعل أنا؟
وكثيراً أرجو اللَّه أن يسمح لي بالكلام معكما ورؤيتكما كلَّما شعرت بالحنين لكما أنتما وإخوتكم يامن وكرمل، يبدو رجاءً عجيباً لكنَّ ربَّي العظيم قادرٌ عليه..

السابع والعشرون من يوليو
لن أخاف من هذا التاريخ، أحببته كثيراً من أجلكما، لن أدعه يجرحني لأنَّكما رحلتما بالمعنى المادي للحياة الدنيا، فأنتما يا ماما باقيان عميقاً في قلبي، وحاضران -واللَّه- دائماً مع روحي، واللَّه المستعان على ما نجد، واللَّه وَليُّنا حتى نلقاه سبحانه وتعالى.

وكلُّ عامٍ ويدكم في يدي، وقلبكم في قلبي، وضحكتكم في شفتي، ونحن جميعنا تحت كساء رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
الملتقى تحت عرش الرحمن

والسلام عليكما ملء السماوات والأراضين

شارك

مقالات ذات صلة