تجارب
في هذا الصباح من السادس عشر من مايو تصبحين في الخامسة من عمرك يا ماما، يعني في العام الثاني للروضة، بالتأكيد شعرك سيكون أطول، ربما يصلح لجديلة صغيرة يا حبيبتي لن أبكي، أحاول ذلك قدر المستطاع، قبل أيام كانت هنالك حملة لقراءة أسماء أطفال الشهداء من غزة، تلوت اسمكِ فبكيت ظننتني سأتوقف عن البكاء عند اسمك يا صغيرتي، لكنني وجدتني أبكي عند كل اسم أتلوه من الأطفال الشهداء ثم سألت نفسي هل أعرفهم؟ فأحسست أنني أعرفهم جميعاً، أحسست بقلب كل أمٍ وأنا أقرأ اسم صغيرها الشهيد، فجأة شعرت أن كل قلوب الأمهات الفلسطينيات المكلومات داخل قلبي
أحياناً أشعر بحزن شديد لأنك رحلت مبكراً جداً قبل أن يصبح لك ذوقك الخاص في الألوان والأكلات والملابس، لكنني أتخيل بأنك ستحبين كل الألوان، وستتألقين في كل أنواع الثياب .. هكذا أتخيل أو هكذا أحبك
يجب أن أكتب لك أو أن أكلمك، لن أسمح لصوتي أن يغيب عن عيد ميلادك، ولن أسمح لك أن تتوقفي عن إطفاء شمعتك عاماً بعد عام
أحبُّ أن أستشعر أنكِ حيّة بكل الوسائل الممكنة، وفي هذا ربما انتصار صغير جداً بالنسبة لأم مكلومة، لكنني أراه انتصارا عبقرياً وعظيماً ويوازي أعتى أنظمة الدفاع في العالم إنني ما زلت أدافع عنكِ ضد الظلم والعنجهية والنسيان، ومازلت أصر على تلاوة اسمك وحمل صورتك رغم ازدحام الغائبين في مدينتي.
يتحول الأطفال الصغار إلى عصافير تحت العرش، لكنك تتحولين إلى ملاك حارس، طفلة من نور، ملهمة لا تتوقف عن إلهامي، وعصفورة لا يتسع لها الكون بأسره
يقال بأن الإنسان ينسى، وأن النسيان نعمة، لكن الحقيقة أن الإنسان لا ينسى، وأنه يتذكر دائماً، وأنّ تظاهره بالقوّة ليس دليلاً على النسيان، وأنه لو كان ينسى ما أدرك مقام الصبر وما بلغه، لأن الإنسان يصبر على ألمٍ يتذكره وما زال يوجعه، بينما أمر قد نسيه فكيف يصبر عليه، فهو أصلا منسيّ.
في الخامسة يا كرمل أعرف أنك كنتِ ستأخذين أكثر شكل وجهي وأنا طفلة، ستبدأ مهارتك على الشغب تكبر، ستحاولين إثبات وجودك، والتحقق من نفوذ سيطرتك على كل ما تحبين، ورغم ذلك ستؤثرين العالم كله على نفسك، وستتألمين وأنت تكتشفين أن أناساً كثيرين لم يكونوا يستحقون أبدا
كنتُ سأخشى عليكِ أن تواجهي كل هذه المآسي مثل أمكِ، إنها دنيا قاسية ومرعبة، وكلما تقدم الزمن، كأن الخير ينضب والشر يزداد والمادة وحب النفس يأكلان الروح بشراهة لن أحب أن تعيشي كل هذه القسوة، ولن أحب أيضاً أن تحرمي الحياة، وبعيداً عن كل هذا اليوم تصبحين في الخامسة يا ماما في الخامسة يا كرمل، دون أن يصبح لك حقيبة روضة عليها رسمة ماشا والدب، ولا علبة أقلام صغيرة، ولا دفتر رسم ملوّن، ولا ربطات شعر صغيرة عليها شكل الكرز، ولا حذاء يضيء من الأسفل حين تمشين عليه، ومن دون أن تقولي لي ( ماما )
16/5/2026 غزة