سياسة
كمال عيشة
يُروى عن الخليفة الأموي معاوية قوله: لو أنّ بيني وبين النّاس شعرةً ما انقطعت؛ إن مدّوها أرخيتُها، وإن أرخوها مددتُها. لعلّ هذه المقولة على بساطة ألفاظها، تختزل أحد أهم المبادئ التي قامت عليها الدبلوماسيّة عبر التاريخ.
عندما نتأمل مشهد العلاقات الدولية اليوم، نرى ما يُشبه حلبة رقصٍ دبلوماسيٍّ عابرٍ للحدود، يتمايل فيها القادة بين الإطراء والتهديد، في مزيجٍ تقوده مصالحُ براغماتيةٌ مُجرّدة، تُشيَّد فيها الكلمات لتكون جسوراً حريريةً تُلطِّف حدّة التوترات، وتُشعر الخصم بأنَّه شريكٌ فريدٌ لا مثيل له. تُبنى تلك الخطابات على لغة الاعتراف التي تمنح الآخر شعوراً بالأهمية والمكانة العالية، وإن كانت تلك المكانة مجرَّد حجرٍ في رقعة مصالح كبرى ومعقدة، لكنّها دائماً ما تتسم بالمرونة وتبتعد عن التصادم المباشر، ممّا يمنح الفاعلين الدوليين طموحاً أكبر ومساحةً أوسع للمناورة، وتخلق حالةً من الألفة السياسيّة التي تُسهِّل تمرير التفاهمات، وتجعل من إدارة الأزمات المعقدة أمراً ممكناً عبر أدوات اللباقة والكياسة التي تسبق أيّ فعلٍ سياسي.
تتطلَّب براعة القادة في السّاحة الدبلوماسية، درجةً عاليةً من الانضباط النّفسي وقدرةً على قراءة المسرح السِّياسي بعناية، وتحديد التّوقيت المدروس لإرسال الإشارات الودِّية، وتوظيف الإيماءات البروتوكوليَّة، وتطويع لغة الخطاب الرسمي لتتضمَّن مفرداتٍ تُلامس طموحات ومصالح الطرف الآخر وتُشعره أحياناً بالنِّدِّية السياسية، لتجعله أكثر ميلاً للقبول بالتفاهمات، حتى وإن كانت تَفرض عليه تنازلاتٍ في جوانب أخرى. إنَّ هذه القدرة على التحكم في مناخ اللقاء، وتوجيه دفّة الحوار عبر لغةٍ منتقاة بعناية، هي ما يُفرِّق بين القائد الذي ينجرف خلف الأحداث وبين المايسترو الذي يصنع المشهد.
إنَّ التاريخ السياسي يزخر بنماذج لقادةٍ حوّلوا هذه الخفّة في الحركة الدبلوماسيَّة إلى ثقلٍ كبيرٍ في النتائج الاستراتيجية؛ في عام 1971، على وقع مفاجأةٍ صدمت العالم، وجّهت الصين دعوةً إلى فريق تنس الطاولة الأمريكي لزيارة بكين، ليكون أول وفدٍ أمريكيٍّ يطأ أراضيها منذ عام 1949، مستغلِّين بذلك الرمزية الرياضيَّة لتجاوز تعقيدات البروتوكول الجامد وفتح قناة تواصل غير مباشرة بين البلدين، وهو ما عُرِف تاريخيًّا بدبلوماسية البينغ بونغ، التي حوّلت كرةً صغيرة إلى أداةٍ حادّة لكسر جليد عقودٍ طويلة من القطيعة السِّياسية، ومهّدت الطريق لزيارة الرئيس نيكسون التاريخيَّة، وإقامة علاقاتٍ دبلوماسيةٍ رسميَّة بين القطبين استمرت إلى يومنا هذا.
لكن تحت قناع الدِّبلوماسية الناعمة تلك، يكمُن جانبٌ أكثر تعقيداً ودهاءً؛ وهو الاستدراج المنهجي للخصم إلى منطقة الراحة، من خلال الإغراق بالوعود الودِّية، والشراكات المستقبلية الوهمية؛ لضمان إبقائه في حالةٍ من التخدير السِّياسي والاستراتيجي القاتم. إنَّها لحظاتٌ يُصمِّم فيها القادة مشهداً يراه الآخر كما يشتهي أن يراه، بينما يجري ترتيب الحقائق على الأرض وفق أجنداتٍ مغايرة تماماً لما هو متفقٌ عليه، وتتحوَّل تلك الوعود والكلمات المعسولة إلى شِراكٍ ذكيةٍ لا يُدرك الطَّرف الآخر وقوعه فيها إلا بعد أن تكتمل موازين القوى لصالح الخصوم.
ولعلَّ ما جرى في ميونخ عام 1938 يكشف وجه هذا الاستدراج في أوضح تجلِّياته؛ حين عاد رئيس الوزراء البريطاني تشامبرلين من لقائه بالزعيم الألماني أدولف هتلر، حاملاً تعهُّداً بوقف التوسُّع، استُقبل ذلك التفاهم بارتياحٍ سياسيٍّ واسع، وبدا أنَّ لغة المرونة قد أبعدت شبح الحرب. غير أنَّ الأشهر التَّالية كشفت أنَّ تلك الوعود كانت مساحةً زمنية استثمرها الطرف الآخر لإعادة ترتيب أوراقه العسكريَّة، إلى أن اكتملت موازين القوى لصالحه، فانهارت التَّفاهُمات كافة أمام وقائع الاجتياح، حين أكملت ألمانيا احتلال تشيكوسلوفاكيا في مطلع 1939، ثمَّ غزت بولندا في سبتمبر من العام نفسه، لتنطلق شرارة الحرب العالميَّة الثَّانية.
غير أن تأمل هذين المثالين معاً، يطرح سؤالاً جوهريًّا: لماذا كانت المرونة الدبلوماسيَّة في الحالة الأولى جسراً للانفراج، وتحوَّلت في الثانية إلى شراكٍ للانهيار؟ يكمُن الجواب في توازن الردع الخفي، في حالة الصين وأميركا، كانت المناورة الدبلوماسية تجري على خلفية من التكافؤ النووي، حيث كان الطرفان يدركان أنَّ انهيار التفاهمات يعني مواجهة مدمرة لا قِبَل لأحدهما بها؛ لذا كانت الدبلوماسيَّة هنا أداةً لإدارة الصراع، على عكس ما حدث في ميونيخ، عندما افتقرت العملية الدبلوماسيَّة هناك إلى قوةٍ رادعة تحميها عندما راهن تشامبرلين على كلمة هتلر وكأنَّها ضمانة، متناسياً أنَّ المرونة السياسية التي لا تسندها قبضة حديدية تصبح مجرَّد غطاءٍ ورقيٍّ يطير مع أوَّل عاصفة.
لطالما وُصفت الدبلوماسيَّة بالفنِّ الذي يرتقي إلى مصافِ الأداء المسرحي، حيث تُمثِّل المواقف والخطابات فصولاً مدروسةً بعنايةٍ فائقة، تُخفي خلفها هندسةً دقيقة للمصالح الجامحة، وتصبح القدرة على المناورة داخل متاهات السياسة الدوليَّة هي الفيصل الذي يُحدِّد مكانة الدول على رقعة النفوذ العالمي.
إنَّ من يُتقن اللحظة التي يُرخي فيها قبضته، هو ذاته الذي يمتلك زِمام القدرة على شدِّها مرَّةً أخرى في الوقت المناسب. وهكذا تبقى شَعرة معاوية، المعيار الصَّامت الذي يحكم توازنات القوى، فلا تُقطَع العلاقات عند أوَّل خلاف، ولا تُترَك حتى تبلغ حدَّ الارتهان الكامل، إنَّما هي إدارةٌ مُتقَنةٌ للمسافات بين الخصوم والحلفاء، مع الإبقاء على الحدِّ الأدنى من قنوات التواصُل التي تسمح بإعادة تشكيل المشهد كلَّما تبدّلت المصالح وتغيّرت موازين القوى.