مجتمع
علي البرغوث
في تاريخ الأمم نحو التحرر، تبرز شخصيات لا تُقاس قيمتها بالبنادق أو الرتب العسكرية، بل بقوة الكلمة وصلابة الموقف المعرفي. وكان الكاتب والمحلل السياسي السوري ميشيل كيلو، الذي لُقب بـ”رجل الكلمة والموقف”، يمثل أحد أبرز أعمدة الفكر الديمقراطي والمواطنة في سوريا والوطن العربي. واجه كيلو الاعتقال والملاحقة والتضييق طوال عقودٍ من الزمن، وتحوّل من مفكرٍ يساري ومترجم نخبوي إلى مرجعية فكريّة وسياسيّة ورمز جامع للسوريين بكافة أطيافهم، واضعاً أسس النّضال المدني السلمي ومجسداً لروح الهوية الوطنية العابرة للاصطفافات الضيقة حتى يومه الأخير.
من أروقة الثقافة والترجمة إلى زنازين “ربيع دمشق”
وُلد ميشيل كيلو عام 1940 في مدينة اللاذقية على السّاحل السوري، لأسرةٍ مسيحية مندمجة في النسيج الوطني التعددي. تعمّق في دراسة الفكر السياسي والاقتصادي، وحصل على الدبلوم في الإعلام من فرنسا، وعمل في الترجمة والتّدقيق الأكاديمي، مبرزاً في نقل أمهات الكتب الفكرية من الألمانيتين والفرنسية إلى العربية. انخرط كيلو مبكراً في الحراك الثقافي والسياسي المعارض للاستبداد، وشغل منصب رئيس مركز حريات للدفاع عن حرية الرأي والتعبير في سوريا، وعضواً في اتحاد الكتاب العرب قبل أن يُفصل منه لأسبابٍ سياسية، ممّا جعله هدفاً دائماً للملاحقة الأمنية من قبل السلطات منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث قضى فترة اعتقال أولى في ثمانينيات القرن العشرين.
التحوُّل الأبرز في مسيرته السياسية العلنية جاء مع مطلع الألفية الجديدة، وتحديداً مع ما عرف بـ“ربيع دمشق” عام 2000 عقب تسلُّم بشار الأسد السلطة؛ حيث كان كيلو أحد صانعي هذا الحراك والمهندسين الرئيسيين لـ “بيان الـ 99″ و”بيان الـ 1000” اللذين طالبا بإطلاق الحريات العامة وإلغاء حالة الطّوارئ وإعادة الحياة السياسية. وفي عام 2005، ساهم في صياغة إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي. دفع كيلو ثمن هذه المواقف غضباً أمنياً عارماً؛ فاعتُقل في أيار/مايو 2006 عقب توقيعه وشراكته في صياغة “إعلان بيروت دمشق، دمشق بيروت” الذي دعا لتصحيح العلاقات السّورية اللبنانية والاعتراف بسيادة البلدين، وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات من قبل المحكمة العسكرية أمضاها في سجن عدرا المركزي، ليخرج منه عام 2009 أكثر إصراراً على حتمية التغيير.
صوت الثورة السلمية والبحث عن ركائز دولة المواطنة
مع اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011، لم يتردد ميشيل كيلو في إعلان انحيازه المطلق لمطالب الشّارع السّوري بالحرية والكرامة، وشارك في صياغة الرّؤى المدنية الأولى للحراك. وبسبب التهديدات المباشرة والوشيكة على حياته من الأجهزة الأمنية، غادر سوريا مرغماً متوجهاً إلى أوروبا، لتبدأ مرحلة جديدة من النّضال السّياسي في المنفى؛ حيث ساهم في تأسيس “المنبر الديمقراطي السوري” وانضم لاحقاً مع كتلته إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية ممثلاً للتيار المدني الديمقراطي، محاولاً إصلاح البنية السياسية للمعارضة من الداخل.
تميّز فكر كيلو السياسي بالدّعوة المستمرة والملحة إلى بناء دولة المواطنة والقانون والتعددية التي تتجاوز كافة الانتماءات الطائفية والإثنية والمناطقية. خاض معارك فكريّة شرسة عبر مقالاته الراتبة في كبرى الصحف العربية الدولية والمحلية، منتقداً بجرأة عسكرة الثورة وانزلاق بعض أطرافها نحو الفصائلية والتبعية والتمويل الخارجي، ومحذّراً مبكراً من تغلغل الجماعات المتطرفة التي شوّهت نقاء الحراك الشعبي، مؤكّداً أنّ الهدف الأساسي يجب أن يظل بناء سوريا ديمقراطية موحّدة لكلّ السوريين. ورغم خيبات الأمل السياسية المتلاحقة وتشتت قوى المعارضة وتكالب المصالح الدولية، بقي كيلو صوتاً عاقلاً يتجاوز الخلافات الحزبية الضيقة ليخاطب الوعي الجمعي للشعب السوري.
الوصية التاريخية الأخيرة والرحيل في الغربة بباريس
في نيسان/أبريل 2021، أُصيب المفكر ميشيل كيلو بفيروس كورونا أثناء إقامته في العاصمة الفرنسية باريس، وتدهورت حالته الصحية سريعاً نظراً لتقدمه في السن. وقبل أيامٍ قليلة من رحيله، وهو على فراش المرض في مستشفى “بوجون”، صاغ كيلو “وصيته الأخيرة للسوريين”، والتي تحوّلت إلى وثيقةٍ تاريخية وأخلاقية بليغة تناقلتها وسائل الإعلام العالمية والمنصات الإخبارية، وجاء فيها كلمات مؤثرة تلخص عمره: “لا تنظروا إلى مصالحكم الخاصة كأفراد، مصالحكم هي في مصير شعبكم.. لن تصبحوا أحراراً إلا إذا توحدتم.. ثقوا ببعضكم واستمروا في طريق الحرية.. سوريا تستحق تضحياتكم وقادرة على النهوض مجدداً”.
وفي 19 نيسان/أبريل 2021، غيّب الموت ميشيل كيلو في باريس عن عمر ناهز 81 عاماً، ونعته كبرى المنظمات الحقوقية والسياسية العربية والدولية كأحد أبرز وجوه النّضال الديمقراطي في الشرق الأوسط. تكمُن الرمزية الاستثنائية لميشيل كيلو في أنّه عاش ومات وهو يحمل هوية سورية وطنية خالصة، داحضاً كلّ محاولات النّظام لتقسيم المجتمع السوري على أسسٍ طائفية، ومثبتاً أنّ النّضال من أجل الحرية هو قضية إنسانية جامعة لا تلغيها الغربة ولا يطفئها الموت، ليبقى اسمه منارةً للفكر والحرية ترشد السوريين نحو مستقبلهم المنشود.
يصعب الحديث عن تاريخ المعارضة الديمقراطية السورية دون التوقف عند اسم ميشيل كيلو. فقد كان أحد أبرز المدافعين عن الحريات العامة وحقوق الإنسان والدّولة المدنية على مدى أكثر من خمسين عاماً.
لم يحمل السلاح يوماً، ولم يراهن على القوة، بل آمن بأنّ التغيير الحقيقي يبدأ من بناء الإنسان الحر والمجتمع القادر على إدارة اختلافاته سلمياً. وبين السجن والمنفى والعمل الفكري، ترك وراءه إرثاً سياسياً وثقافياً ما زال حاضراً في النقاش السوري حتى اليوم.
وربما تكمن أهمية ميشيل كيلو الحقيقية في أنّه لم يكن مجرّد معارضٍ للسلطة، بل كان صاحب رؤية متكاملة لسوريا التي حلم بها: دولةٌ لجميع مواطنيها، يحكمها القانون، وتحميها الديمقراطية، وتُصان فيها كرامة الإنسان بغض النظر عن انتمائه أو معتقده. ولهذا، يبقى اسمه واحداً من أكثر الأسماء حضوراً في ذاكرة النّضال المدني السّوري المعاصر.