آراء

حكايات من بطون المذكرات

حكايات من بطون المذكرات

عصا البابلي

كان محمد بك البابلي واحدًا من زعماء النكتة في عصره. كانت التّقاليد في ذلك العصر أنَّ مَن يُظهِر إعجابًا بشيءٍ في يدك لا بُدَّ أن تقول له، من باب المجاملة: «اتفضَّل»، أي «خُذْهُ». وكان البابلي يحمل في يده عصا جميلة كُتب على مقبضها الحرفان الأوَّلان مِن اسمه «م.ب». وأظهر أحد الأصدقاء إعجابه الشّديد بها مرَّةً بعد مرَّةٍ دون أنْ يقول له البابلي: «اتفضَّل»، فعاتبه. فقال البابلي بك: وكيف أعرض عليك ما لا أملك؟

فقال صاحبه: بل إنّها مِلْكُك، بدليلِ الأحرُف الأولى من اسمك.

فأجاب البابلي: دا مكتوب عليها «م.ب»، يعني «مـ»ـش «بـ»ـتاعتي.

والحكاية مِن كتاب «القاهرة بين جيلين»، لحافظ محمود.

هل أتيت من «سي آي إيه»؟

على غلاف كتاب «مستشار الملك» لجاك أوكونيل نكتة طريفة. عَمِلَ جاك في الأردن لفترةٍ طويلة باعتباره أحد رجالات المخابرات الأمريكيّة، ووَثِقَ به الملك حسين ليكون لاحقًا أحد أهمّ مستشاريه.

يقول: «وصلتُ إلى مطار القاهرة الدولي عند الساعة 11 بعد الظهر، في ليلة يوم عطلة، وتوجّهتُ مباشرة إلى فندقي، ولم يكُن في البهو أحد، وكان هناك موظّف استقبال واحد. أريتُه جواز سفري ووجد حجزي، ثمّ بشكلٍ مفاجئ نظر إليَّ وسأل: “هل أتيت من «سي آي إيه» (وكالة المخابرات المركزية)؟”.

لم أُفكِّر بأيِّ شيءٍ أردُّ به، ونظرتُ نحو الأسفل إلى الجزء الأمامي من سُترتي لأرى إن كنتُ وضعتُ شارةَ وِكَالَتِي عن طريق الخطأ. لم يكُن هناك أيّ شيء. وفكرتُ في التقاط حقيبتي الوحيدة والجري خارج الفندق، ولكنني كنتُ عمليًّا عاجزًا عن الحركة أو الردّ. ووقفتُ أنظر إليه بتساؤل: كيف عرف؟ هل وصلت إليه معلومة سِرِّية من جهاز الأمن المصري؟ إن كان الأمر كذلك، فأين كانوا؟

وبينما كان ذهني يفكر بصورة غير منطقية بسرعة كبيرة، سمعته يُكرِّر السؤال: “هل أتيت من «سي آي إيه»؟”. لم أُعِرْه اهتمامًا. ربما حياتي المهنية قد دُمّرت قبل أن تبدأ حتى. هل يجب أن أُنهي المهمة؟ أم أتصل بوسيط الاتصال الخاص بي؟ ليس إن كنتُ مُعرَّضًا أصلًا للخطر. ومن الواضح أنَّ الموظّف انزعج لأننّي لم أُجِب عن سؤاله، وكرّر طرح السؤال بصوتٍ أعلى: “يا سيِّد، هل أتيت من «سي آي إيه» cairo international airport (أي: مِن مطار القاهرة الدولي)؟». وكنتُ على وَشْك أن يُغمى علَيَّ مِن الصدمة والارتياح، فيما كنت أجيب بشكلٍ مفاجئ: «طبعًا! وإلا فكيف أكون قد وصلت إلى هنا؟!».

يحيى حقّي وقصة دلف

كان حقي يُحِبّ الدعابة والسخرية. تَقابَل في الطريق مع الكاتب والرّوائي محمد جبريل ذات مساء، ومع حقّي ابنُ عمِّه، قدَّمه يحيى حقّي قائلًا: «سالم حقي، ابن عمي». وأردف ببساطة: «أقصر مني».

وثمة لفظ بعينه كان يغيظ الأستاذ يحيى حقّي عند الأدباء مِن كاتبي القصة القصيرة، وهذا اللفظ هو فعل «دلف» أو «يدلف»، ويُفيد في «القاموس المحيط» عند الفيروز آبادي «مشى مشية المقيَّد أو المثقَل بالحمْل الثقيل». لكن يبدو أنَّ الإخوة القصاصين منذ الستينيات أعجبهم رنين الفعل فأسرفوا على أنفسهم وعلى القراء في استخدامه، حتى فاض الكيل بالأستاذ يحيى حقي فكتب يقول ما معناه: «ما حكاية “دلف” هذه مع القصاصين الشبان؟! هذا الغلوّ المتيَّم بفعل “دلف” محشوًّا بين السطور، بالأمس حوَّلوا إليَّ مجموعات قصص قصيرة أُراجِعُها لِنَيْل جائزة نادي القصة، جلست إلى مكتبي في هدأة ليل أقرأ الأقاصيص، تناثرت مِن حولي ألفاظ “دلف” و”يدلف”، مِن قبيل: “ودلفَت القطة من الباب وهي تموء في تثاؤب”، أو: “ودلفت الحسناء يسبقها أريج عطرها الفواح من باب الفندق”، أو: “دلفت أم بسطويسي من الباب ممسكة بمقشة الهجوم على جارتها أم عويس”، إلخ، القصد: راجعتُ القصص، وكم أغاظتني حكاية “دلف” هذه، وأغلقت الدفاتر وأطفأت المصباح ثمّ “دلفت” بدوري إلى غرفة النوم».

شوقي وعبد الوهاب

نتوقّف عند قصة الشاعر أحمد شوقي مع أحد الأثرياء، وفيها دلالة على طريقة الفنان والشاعر في رؤية العالَم. القصة برواية الفنان محمد عبد الوهاب في مذكراته، يقول: «أذكر مرَّة كنت معه خارجين من الكونتيننتال، فقابلنا البدراوي باشا عاشور، أغنى رَجُل في مصر. تقدَّم البدراوي باشا نحو شوقي مُهلِّلًا: “ازيك يا باشا.. أهلًا بسيدي وابن سيدي”.

فكان شوقي يزجره ويُبعده، وأنا في منتهى الدهشة، وشوقي يتمتم: “جتك نيلة في تُقل دمَّك”.

بعدَها بخطوات قابلنا عبد المطلب، فبادره شوقي قائلًا: “أهلًا.. ازيك يا عبد المطلب”، ووضع يده في ذراعه واصطحبه، فقلت له: “بقى يا باشا، البدراوي عاشور يرحّب بيك وعايز يبوس إيدك تشتمه، وعبد المطلب تاخده في إيدك؟”، فقال شوقي: “وأنا مالي ومال البدراوي عاشور؟ فلوسه حتعمل لي إيه؟ أنا كفاية أسمع كلمة صادقة من عبد المطلب تبسطني أحسن من مليون بدراوي عاشور”.

نِصْف شِعري مقابل بيتَين

يقول حافظ إبراهيم: «ولأحمد شوقي بيتان وددتُ لو أنّهما لي بنِصْف شِعري، وردتا في قصيدته “اللورد كارنارفون”:

أفضى إلى خَتْمِ الزمانِ ففَضَّهُ… وحَبَا إلى التاريخِ في مِحرابِهِ

وطَوَى القُرونَ القَهْقَرى حتَّى أتى… فِرْعَوْنَ بَيْنَ طعامِهِ وشرابِهِ».

سياقُ الأبيات من كتاب «إحياء الشعر» لعارف حجاوي: «يرثي شوقي اللورد كارنارفون، الذي موَّل كشف مقبرة توت عنخ آمون، فيما قام بالحفر والبحث الآثاري هوارد كارتر، وحدث الكشف في 4/11/1922. ومات كارنارفون بعد الكشف بأسابيع من بعوضة لسعته بأسوان في الصعيد. وكانت بريطانيا التي تحتل مصر أعطت كارنارفون امتياز التنقيب في وادي الملوك.

ومعنى الأبيات: “أفضى (وصل) كارنارفون إلى خَتْم الزمان ففضَّهُ (كَسَرَهُ) فانفتح له الزّمان، وحَبَا (زحف) إلى التّاريخِ في محرابِهِ (أهمّ مَوْضِع منه). وطوى القرونَ القَهْقَرى (إلى الخَلْف)، حتى أتى فرعونَ مُسَجًّى وعن جانبَيْهِ الطعامُ والشرابُ. وكان يُوضَع في مدافن ملوك مصر طعام وشراب. ومدفن توت عنخ آمون مدفن بِكْر لم يهتدِ إليه اللصوص القدماء، وعندما اكتُشف كانت فيه كلّ محتوياته. وجاءت بعدئذ لصوصية المستعمِر الجديدة، والبيتان الماضيان (أفضى.. وطوى) قال فيهما حافظ إبراهيم، على ذمة زكي مبارك: “قتلَني شوقي بهذين البيتين”».

خُلِقْتُ عَيُوفًا

‏«خُلِقْتُ عَيُوفًا لا أَرَى لابْنِ حُرَّةٍ

لَدَيَّ يَدًا أُغْضِي لَهَا حِينَ يَغْضَبُ»

خُلِقْتُ (أَبِيًّا) لا أرى لأحدٍ يدًا علَيَّ (فَضْلًا يمنُّ به) بحيث (أُطأطِئُ رأسي) عند غضبِه.

البيت لمحمود سامي البارودي. وكان سعد زغلول يتمثّل بهذا البيت في خُطَبِه الرنانة، يُعيده ويستعيده ويُنغِّمُه، فيُلهِب أحاسيس الجماهير.

وعلى ذِكْر الخطابة، قال أحمد شوقي:

خَطَبْتَ فَكُنْتَ خَطْبًا لا خَطِيبًا

أُضيفَ إلى مَصائِبِنا الجِسامِ

قال محمد صبري السوربوني: «الشطر الأول “خَطَبْتَ فَكُنْتَ خَطْبًا لا خَطِيبًا” كنتُ أسمعُ الكبار يهتفون به في كل مناسبة في السنوات التي أعقبت القصيدة».

ناسٌ في الظل في كيسٍ واحد

في النهاية، أتفقُ مع الكاتب يحيى حقّي في حماسته أن يُلقِيَ بعض أنواع الناس في البحر مباشرة، ويضع في هذا الكيس مِن فَوْرِه: «ثقيل الدم، والثرثار، ومستودع النّكت البايخة، ومُحِب النّكت القبيحة، وهاوي التّشكي لطلب الرّثاء له، والبخيل النتِن، والمتملِّق الكذوب، والجبان الحقير الذي يَعْدِل عن الصّدر لِيَطْعَن الظَّهْر، والمغرور المفتون بشخصه، والمتعالم الذي لا يعلو حُكمٌ على حُكمه، والممرور الرافض لكلّ شيءٍ على طول الخط، والممانع في تكذيب الإشاعات الكاذبة… والمعاند بالباطل ضدَّ الحق الواضح، والمعقداتي لكلّ سهل، والرائي للقذى في عين أخيه دون الخشبة التي في عينه هو». والنصّ من كتاب يحيى حقّي «ناس في الظل».

شارك

مقالات ذات صلة