فكر

ياسر العبود… الضابط الذي اختار الموت في مقدمة الصفوف

يونيو 6, 2026

ياسر العبود… الضابط الذي اختار الموت في مقدمة الصفوف

علي البرغوث

في تاريخ الحروب، كثيراً ما يكتب عن القادة الذين أصدروا الأوامر من غرف العمليّات، لكن قليلاً ما يكتب عن أولئك الذين بقوا في الخطوط الأماميّة حتى لحظة موتهم. كان المقدّم الركن ياسر محمود العبود واحداً من هؤلاء.

على امتداد سنوات الثورة السّورية الأولى، برز اسم العبود بوصفه أحد أهمّ الضّباط المنشقين عن الجيش السوري، وأحد أبرز القادة العسكريين في الجنوب السوري. لم يكن حضوره ناتجاً عن خطابات إعلامية أو مناصب سياسية، بل عن دوره المباشر في تنظيم الفصائل العسكرية وقيادة المعارك على الأرض في محافظة درعا، التي شهدت الشرارة الأولى للاحتجاجات السوريّة عام 2011.

بالنسبة لكثيرٍ من أبناء الجنوب السوري، لم يكن العبود مجرّد قائدٍ عسكري، بل كان رمزاً لمرحلة كاملة من تاريخ الثورة؛ مرحلة كان فيها الضّباط المنشقّون يحاولون تحويل الاحتجاجات الشعبيّة إلى قوةٍ قادرة على حماية المدن والبلدات التي تتعرّض للقصف والحصار.

وعندما قُتل في أكتوبر/ تشرين الأول 2013، لم يكن مقتله حدثاً عسكرياً عادياً، بل شكّل صدمةً واسعة داخل صفوف المعارضة السورية، التي فقدت أحد أبرز قادتها الميدانيين في لحظةٍ كانت المعارك فيها تبلغ ذروتها.

 

من ضابط محترف إلى قائد للانشقاق في الجنوب

وُلد ياسر العبود عام 1967 في بلدة النعيمة شرق مدينة درعا، ونشأ في بيئةٍ ريفية محافظة عُرِفت باهتمامها بالتعليم والخدمة العسكرية. التحق بالكليّة الحربيّة السوريّة منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وتخصّص في سلاح المدرعات، قبل أن يتابع تأهيله العسكري ويحصل على رتبة مقدّم ركن بعد سنواتٍ طويلة من الخدمة.

على مدى أكثر من 25 عاماً داخل الجيش السوري، اكتسب العبود خبرةً واسعة في التكتيكات العسكرية وقيادة الوحدات القتالية. وبحسب من عرفوه، كان يُنظر إليه كضابطٍ محترف يمتلك معرفة عسكرية عميقة وقدرة على التنظيم والإدارة.

مع اندلاع الاحتجاجات الشعبيّة في سوريا عام 2011، بدأت العلاقة بينه وبين المؤسسة العسكرية تتصدّع تدريجياً. فمع توسُّع العمليات العسكرية ضدّ المدن والبلدات السوريّة، وجد نفسه أمام خيار مصيري بين الاستمرار في تنفيذ الأوامر أو الانحياز إلى قناعاته الشخصيّة.

في 17 فبراير/ شباط 2012 أعلن انشقاقه رسمياً عن الجيش السوري، في خطوةٍ اعتُبرت آنذاك من أهمّ الانشقاقات العسكرية في الجنوب السوري. لم يكن انشقاق ضابط برتبته أمراً عادياً، فالمؤسسة العسكرية كانت ما تزال تحتفظ بجزءٍ كبير من تماسكها، وكان الضّباط المنشقّون يواجهون خطر الملاحقة والاعتقال وحتى تصفية أفراد عائلاتهم.

بعد انشقاقه مباشرة، أسّس “لواء أبي بكر الصديق”، الذي ضمّ عشرات الضباط والجنود المنشقّين، ثمّ أصبح لاحقاً أحد الأعمدة الرئيسية لتشكيلات الجيش السوري الحر في محافظة درعا.

خلال تلك الفترة، برز العبود كأحد أبرز الدّاعين إلى توحيد الفصائل العسكريّة. كان مقتنعاً بأنّ الانقسامات الداخلية تمثّل خطراً لا يقلُّ عن خطر المعارك نفسها، ولذلك أمضى جزءاً كبيراً من وقته متنقلاً بين الكتائب والتشكيلات المختلفة محاولاً بناء غرفة عمليّات موحدة للجنوب السوري.

 

قائد المعارك الكبرى في حوران

بين عامي 2012 و2013، تحوّل اسم ياسر العبود إلى أحد أكثر الأسماء حضوراً في الجنوب السوري. لم يكن قائداً لفصيلٍ واحد فقط، بل أصبح لاحقاً قائداً عسكرياً مؤثراً في المنطقة الجنوبية بأكملها.

شارك في التّخطيط والإشراف على عددٍ من أبرز العمليات العسكريّة التي شهدتها محافظة درعا. وكان من بين القادة الذين ساهموا في السيطرة على مواقع عسكريّة استراتيجيّة وحواجز أمنيّة شكّلت لسنواتٍ أدوات رئيسية لفرض السيطرة على الريف الجنوبي.

ما ميّز العبود عن كثيرٍ من القادة الآخرين هو وجوده الدائم في الميدان. فقد تعرض لإصابات متكررة خلال المعارك، وفقد إحدى عينيه نتيجة إصابة مباشرة، ثمّ تعرّض لإصابةٍ أخرى كادت تؤدي إلى فقدان بصره بالكامل، ورغم ذلك، رفض الانسحاب من الجبهات.

كان بإمكانه البقاء في الخارج للعلاج أو الانتقال إلى العمل السّياسيّ والعسكريّ من خلف الحدود، كما فعل كثيرون في تلك المرحلة، لكنّه عاد إلى درعا بعد فترةٍ قصيرة من العلاج ليواصل قيادة العمليات بنفسه.

يتذكّر مقرّبون منه أنّه كان يرفض ارتداء أيّ شاراتٍ تميّزه عن المقاتلين الذين يقاتلون معه، وكان يصرّ على زيارة النقاط العسكريّة المتقدّمة بنفسه مهما كانت المخاطر الأمنية.

في تلك الفترة، اكتسب لقب “قائد حوران”، ليس فقط بسبب منصبه العسكري، بل بسبب حضوره الواسع في معظم معارك الجنوب السوري.

كما أدّى دوراً بارزاً في بناء العلاقات بين الفصائل المختلفة ومحاولة الحدّ من النّزاعات الدّاخلية التي بدأت تظهر داخل المعارضة المسلحة، وكان من أوائل القادة الذين حذّروا من خطر الانقسامات الأيديولوجية على مستقبل الثورة السورية.

 

النهاية التي تشبه حياته

في خريف عام 2013، كانت محافظة درعا تشهد واحدةً من أكثر مراحل الصراع عنفاً. المعارك تتوسّع، والقصف يتصاعد، والفصائل المسلّحة تحاول تحقيق تقدُّم ميداني في عدة جبهات.

في 21 أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام، كان ياسر العبود يقود عملية عسكرية قرب مدينة طفس في ريف درعا الغربي. وكعادته، لم يكن في الخلف، بل في موقع متقدّم بين المقاتلين.

خلال الاشتباكات، أصابت قذيفة دبابة الموقع الذي كان موجوداً فيه، ما أدّى إلى مقتله مع عددٍ من مرافقيه. كان عمره 46 عاماً فقط.

انتشر خبر مقتله بسرعةٍ في أنحاء سوريا، خصوصاً في الجنوب، حيث اعتُبر رحيله خسارةً كبيرة للجيش السوري الحرّ وللمعارضة المسلّحة عموماً. وأُقيمت له مراسم تشييع واسعة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام آنذاك، ونعته عشرات الفصائل العسكريّة والهيئات المدنية.

لكن أهمية ياسر العبود لا تكمُن فقط في المعارك التي خاضها أو المواقع التي سيطر عليها، بل في رمزية المسار الذي مثّله. فقد كان جزءاً من جيل من الضّباط السوريين الذين قرّروا التخلّي عن مستقبلهم العسكريّ ومواقعهم داخل الدولة والانحياز إلى جانب الاحتجاجات الشعبية، وهم يدركون أنّ الثمن قد يكون حياتهم وحياة عائلاتهم.

بعد أكثر من عقدٍ على مقتله، ما يزال اسمه حاضراً في الذاكرة السورية، خصوصاً في درعا وحوران، باعتباره واحداً من أبرز القادة العسكريين الذين ارتبطت أسماؤهم بالبدايات الأولى للثورة السورية.

وفي بلد امتلأت ذاكرته بالحروب والانقسامات، بقي ياسر العبود بالنّسبة لكثيرين صورة الضابط الذي لم يكتفِ بإعلان موقفه، بل دفع ثمنه كاملاً حتى اللحظة الأخيرة من حياته.

شارك

مقالات ذات صلة