تأملات
يقول العرب: (نحن قومٌ لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع)، أيّ أنّ الأصل أن تجوع، وبلغةٍ أكثر اتّساعاً أن يكون لتناولك الطعام سبباً.
وهنالك حديث شريف للرسول ﷺ، يحمل معنى المقولة السابقة وهو “ما ملأ ابنُ آدمَ وعاءً شرًّا من بطنِه، حسْبُ ابنِ آدمَ أُكلاتٌ يُقمْنَ صلبَه، فإن كان لا محالةَ، فثُلثٌ لطعامِه، وثلثٌ لشرابِه، وثلثٌ لنفسِه”.
الأمر لا يتوقف عند لفظة الجوع المجرّدة، الأمر يتسع لكلّ شيءٍ في حياتك، يجب أن يكون هنالك سببٌ لكلّ شيءٍ تفعله، ليس هنالك شيءٌ في منهجنا يقول لك افعل شيئاً دون أن تدرك لماذا تفعل هذا الشيء، لأنّ الأصل أن الخالق خلق الإنسان للعبادة، ووضع مفهوماً أساسياً للعبادة، وهو (الاستخلاف الذي يؤدي إلى إعمار الأرض)، وهو منهج مناقض لمنهجية إبليس القائمة على نقض الاستخلاف والإغواء من أجل الإفساد في الأرض.
وهذا يجعلني أكثر انبهاراً بديننا العظيم، وذلك أنّه دينٌ قائمٌ على الوعيّ والإدراك، وخالٍ من أيِّ لفظٍ بلا معنى أو سلوكٍ بلا هدف، ومن شدّة أنّ ديننا قائمٌ على الوعيّ، أحال مركزية السلوكيات إلى النيّة، والنيّة هي أساس كلّ تصرفٍ لفظي وسلوكي، وليس ذلك فقط بل وحتى هي أساس كلّ شعورٍ يطرأ على قلبك باطنياً، لذلك في الحديث الشريف ” إنما الأعمال بالنيّات”.
ومثال ذلك تريد أن تتصدّق، راجع نيّتك قبل الفعل، هل تفعل ذلك رياءً، هل لديك غاية معينة، أم أنّ نيتك أن تقصد وجه الله عزّ وجلّ لا سواه، الله عزّ وجلّ لا يحتاج مالك الذي تتصدّق به على عبده المحتاج، ولكنّه يريد منك نيّتك، قلبك وتوجهَك وإخلاصك ذاك الذي يرفعك إلى مقامٍ عظيم وهو قوله تعالى: ( إلا عباد اللّه المخلَصِينْ).
ولذلك الأصل أن تجوع، يعني الأصل أن تجد سبباً لسلوكك، وليس ذلك فقط والأصل أن تحتاج بل وأن تشعر بالرغبة، وفي هذا تكريمٌ للإنسان، ومن تكريم اللّه للإنسان أنّه جعله في مقامٍ أعلى من الملائكة والجنّ وسائر المخلوقات التي ندركها ولا ندركها؛ فلذلك كلّ توجيهٍ من اللّه عزّ وجلّ للإنسان هو توجيهٌ تكريميّ يلائم مقامه الرفيع، وأعلى تكريم يُكَرَّم به العبد (أنّه جعله في حالة وعي مع شهواته) إلى حدّ أنّه يُبعده عن كلّ ما يمكن أن يسيطر على عقله فيغيب عن الوعيّ مثل شرب الخمر مثلاً، وذلك لأنَّ منهجية الإسلام قائمة على الوعيّ، ولا يستقيم أيّ شيءٍ يغيّبك عن وعيك وإدراكك سواء في السلوك الظاهر أو الشعور الباطني.
ومن أهم مهدمات الوعي الخطيرة (الصُحبة السيئة).
قال تعالى: “ولا تطع من أغفلنا قلبه واتبع هواه وكان أمره فرطا”
هنا توجيه عظيم، أنّ الإنسان الغافل والذي اتّبع هواه هو بالتالي شخص خارج عن دائرة الوعيّ؛ لأنّ الهوى سيطر عليه وبالتالي هو غير مدرك لحقيقة الأمور، وبالتالي أنت إذا اتبعته تخرج أيضاً من دائرة الوعي سواء أدركت ذلك أم لم تدرك، لذلك في بداية هذه الآية نفسها يقول اللّه عزّ وجلّ:
“واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه”.
أيضاً من أهم رافعات مستوى الوعي لدى العبد (الصحبة الصالحة)، والجميل هنا أنّ الله عزّ وجلّ ضبط النيّة فيها بالتعبير عنها بالحالة القلبية (يريدون وجهه)، والأصل أنّ كلّ نيةٍ لا تبتغي بها وجه اللّه فهي نية مخلة وفاسدة، وإن رأيت نتائجها جميلة في البداية فسرعان ما ستتلاشى وترى انتكاساتٍ كبيرة فيما بعد، لأنّه يكفي أن تحجبك النية الفاسدة عن وجه اللّه عزّ وجلّ، فماذا سيكون أعظم من هذه الانتكاسة؟
لا يؤكّد النبي صلى الله عليه وسلم على حقيقة أنّ كلّ شيءٍ يحتاج إلى سبب، بل يؤكّد أيضاً على ألا يكون السبب سبيلاً للاكتفاء من الرغبة مثل (الشبع)، والتي تساوي “ما ملأ ابن آدم وعاءً شرّاً من بطنه”، فالامتلاء المرتبط بالجسد المادي فيه شرّ، سواء في ظاهر الجسد أم باطنه، فإذا ملأت كفك مثلاً بأيّ شيءٍ، فإنّها ستفقد قدرتها على أن تمسك الأشياء وتلتقطها أو تحملها، فإنّ امتلاءها يوقف وظيفتها الحيوية، وكذلك جسدك من الداخل حين تملؤه بالطعام ويكون شغلك الشاغل، فإنّه أيضاً يفقد وظائفه الحيوية الطبيعية، ويؤثر عليك سواء أدركت هذا أم لم تدرك، فالامتلاء يفقدك تدريجياً الذوق والإحساس بنعمة الطعام.
لذلك أساس العلاقة بين العبد واللّه عزّ وجلّ أن يحتاج العبد لله، وأن يكتفي العبد باللّه، واكتفاء العبد باللّه هو اكتفاء المحتاج الذليل بالكافي العزيز، واكتفاء المتوكّل حقّ توكّله، وليس اكتفاء المتكبر والذي يظنّ بأنّه بلغ بفهمه أو علمه ما لم يبلغه أحد.
وصلّى اللّه على سيّدنا محمّد معلّمي العظيم وشفيعي الحليم والهادي إلى مكنونات أسرار اسم الله العليم، وعلى آله وصحبه وسلّم.



