آراء

حكايات مما رأى العجمي وسمع (1)

حكايات مما رأى العجمي وسمع (1)

عشت الفترة الماضية مع كتاب الشيخ محمد بن ناصر العجمي “الإفادات والحكايات والإنشادات ممّا رويته وسمعته من العلماء والأدباء في الحضر والرحلات“، ويتحفك الكتاب بما يشبه سيرة ذاتية للشيخ العجمي في رحلاته العلمية ومشاهداته بين العلماء وطرائف سمعها، وحكايات شهد عليها، وأناشيد سمعها من الأعلام، وقد يقول القارئ أنّ العلماء والمشايخ لا يهتمون بسيرهم الذاتية وكتابة المذكرات، لكن كتاب الشيخ العجمي حافل بالمشاهدات الذاتية واللقاءات العلمية وحب الكتاب والولع بأهل العلم، يبهرك في الكتاب حديث عن مواقف حدثت له مع العلماء، لا تقرؤها في كتاب، ولا تجدها في مرجع، بل يروي لطائفهم وطرائفهم وفوائدهم وشواردهم، ويبدو أنّه جمعها منذ سنواتٍ طويلة فبعض الحكايات يعود للتسعينات، والكتاب يمور بذكر بلاد الشام والخليج العربي والجزيرة العربية، ويخفت حضور مصر في الكتاب إلا في بعض المشاهير مثل حكايات عن الشيخ محمود شاكر ونقولات عن الطناحي، لكن الكتاب بستان منوع من الفوائد، يصلح أن يكون في مقدمة سير الشيوخ والعلماء.

الكتاب مثال ناطق لوصية يحيى بن خالد لولده: “اكتبوا أحسن ما تسمعون، واحفظوا أحسن ما تكتبون، وتحدّثوا بأحسن ما تحفظون، وخذوا من كلّ شيءٍ طرفًا، فإنّ مَن جهل شيء عاداه”، كما يذكر د. محمد حسان الطيان في المقدمة. والكتاب كما يحكي صاحبه الشيخ العجمي: “أنّه تقييد لما سمعته من العلماء والأدباء في الحضر والرحلات، اخترت بعضه خشية فواته، ممّا راق من نبذٍ ونتفٍ علمية وحكايات مستحسنة، وأبيات من لفظ أصحابها أو رواتها، أو مختاراتهم النادرة”.

يدل سرد الكتاب أنّ صاحبه جعل لقاء العلماء ضالته في كلّ بلده وهم بغيته الأساسية، فهو يسعى لمقابلتهم في كلّ بلدٍ ينزل بها، وترى في الكتاب أسماء كثيرة من العلماء مثل الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وينقل قول الشيخ فوزي فيض الله عنه: “كان الشَّيخ عبد الفتاح أبو غدة، إذا خرج بعد العصر، فإلى المشايخ وأهل العلم، والمكتبات، لا يعود إلَّا حاملًا كُتُبًا، ولا ينام حتى يقرأ في كُتُبِهِ التي اشتراها، يُلِمُّ بِفَهارسها وموضوعاتها، ويقرأ ما يعجبه منها، فربما نام فوق كُتُبِهِ أو معها، فأقومُ أنا وأُطفئ له سراجه.

تقرأ في الكتاب حكاية طريفة عن المؤرخ أسد رستم وقراءته على المشايخ مخطوطة قديمة في علم الحديث، وهو يؤلف كتابه علم التاريخ عند العرب، وقصة قراءة العجمي على شيخ قراء الشام كريم راجح، وحكايات طريفة يرويها عن الشيخ علي الطنطاوي بلثغته المحببة، وقصة وفاة والدة الشيخ حسن حبنكة الميداني في البحر وترى تفاصيلها في قصة مؤثرة في الكتاب، فضلا عن أخبارٍ وحكايات عن راتب النفاخ ومحمد بهجت البيطار وجمال الدين القاسمي غيرهم من الأعلام.

وقفت كذلك في الكتاب عند حكايات المحقق صلاح الدين المنجد سندباد المخطوطات، يقول الشيخ العجمي عنه: “لقيت د. صلاح الدين المنجد في صالون الاثنينية في جدة، وقال: كانوا يطلقون علي لقب «سندباد المخطوطات». وكنت بجانبه في إحدى الجلسات، فتكلم أحد الحضور في تكريم شخصية من المكرمين، فلحن لحنًا فاحشًا، فكتب بخطه في ورقةٍ صغيرة بيني وبينه: “سيبويه يرتجف في قبره!”.

تكمن طرافة الكتاب فيما يحويه من ذخيرة من القصص المؤثرة عن أحوال العلماء وحياتهم، لأنّ الحكايات حبوب تُصاد بها القلوب، وترى في الكتاب حفاوة بالمخطوطات، والكتب النادرة، وحكايات العلماء الشخصية وما جرى لهم، مع نماذج من الإهداءات الطريفة، وبلغت هذه الشخصيات أكثر من سبعين عالم من علماء البلاد الإسلامية.

 

بين المبارك وعزام

ومن الحكايات الجميلة في الكتاب قصة الشيخ المبارك وعبد الوهاب عزام: “أخبرنا شيخنا العلامة أحد نوادر رجالات الدهر علما وفضلا أحمد بن علي المبارك في منزله في الأحساء الفيحاء سنة (1418ه)، وفي البحرين سنة (1421ه)، حاكيًا لقصةٍ طريفة وقعت له لما كان في مصر، وقد ساق هذه الحكاية وما يتعلّق بها من حفظه ولفظه وقال: “إنّها لا تغيب عني طرفة عين مع طول السنين”.

قال: “الدكتور عبد الوهاب عزّام رجل فاضل، عرفته في حفلة دعا إليها بعض إخواننا الذين قدّموا للتعلُم من الهند، وفي تلك الحفلة لفتُ نظره بملابسي العربية، وتجاذبت معه والدكتور عبد الحميد العبادي بعض الأحاديث الأدبية، ممّا دعا الدكتور عبد الوهاب عزام أن يُخرج لي من جيبه بطاقة بها اسمه وعنوانه، ويقول لي: نرجو أن تكون على اتصالٍ بنا، فأنا أحب الأدباء، وأعْجَبُ بهم». واتصلت به عدة مرات ممّا قويت معه علاقتي به.

 وفي إحدى الأعياد هيأتُ نفسي للذهاب إليه لتهنئته ـوكنت عائدا من رحلةٍ في الأرياف-، فركبت الحافلة، واتجهت إلى منزل الدكتور عبد الوهاب عزّام، وكانت السماء ملبدة بالغيوم، والمطر ينهمر بغزارة كأفواه القرب، وما إن وصلت منزل الدكتور حتى بادرت بإخراج ورقة كتبت عليها اسمي، وأعطيتها أحد خدمه وحشمه ليُعْلِمَه بوصولي، فأخذها وانصرف، ثمَّ عاد دون أن يقول لي شيئا؛ فقلت له: بم أجاب الدكتور؟ فقال: إنّه يشكو من الزكام.

فعزت علي نفسي، وكنت في عنفوان الشباب، فخرجت من عنده غاضبا عاتبًا نادمًا على ما بذلته من جهدٍ وعناء لمن لم يقدره، ولم يكلف نفسه حتى مجرّد النظر إليه، وعدت أدراجي إلى منزلي. وفى صباح اليوم التالي كتبت إليه رسالة من ندم على معرفته ويرجو التخلص ممّا علق بعواطفه ومشاعره منها، وبعثتها إليه بالبريد.

ولكن الرجل كان نبيلًا؛ فقد ردّ على رسالتي ردًّا ندمت حين قرأته على كتابتي تلك الرسالة التي بعثتها إليه، وما حملتها من عباراتٍ شديدة اللهجة، قرّرت الاعتذار إليه عمّا بدر منّي؛ فهاتفته، وقلت له: لقد أخجلتني بردّك السريع المهذب المؤدب، وليتك تركتني حتى أشبع غروري. فقال: دعنا نحدّد موعدًا أزورك فيه أو تزورني، فقلت: علي أنا أن أقوم بزيارتك. وحدّد الموعد الساعة الرابعة عصرا. ……. وتوجّهت إليه في الموعد المحدّد، وعندما دخلت القصر سألت عنه فقيل: غير موجود.

وسألت الحراس: هل أوصاكم بشيء؟ قالوا: لا. فانصرفت.

وقبل أن أجتاز عتبة باب القصر إذا بقامته الطويلة، وإذا به يقول: يا أخي، بعد أن وضعتُ سمَّاعة الهاتف تذكّرت أنّ أخي شمس الدين نجح في الانتخابات، وعمي عبد الرحمن باشا عزام أقام له حفلة في حلوان دُعِيَ إليها كبار رجال الدولة، وعلى رأسهم علي باشا ماهر، ولقد جئت قبل أن أتناول طعام الغداء، خوفًا أن يصلني منك خطابا آخر. ولا تحسبني غضبت ممّا كتبته لي في رسالتك الأولى، بل أود أن يكون شبابنا عنده هذا الاعتزاز بالكرامة لأنّنا إذا اعتززنا بالكرامة فسيكون لنا شأن.

قال شيخنا المبارك: وهذا سياق رسالتي إليه:

“حضرة الأستاذ الكبير الدكتور عبد الوهاب عزام، بعد التحية والإجلال، لعلّ من دواعي الأسف أن أحتاج إلى إنابة قلمي عن قدمي في سبيل السعي إليكم والمثول لدى شخصكم المحبوب، ولكن دعاني إلى ذلك ما نلته في رحابكم من الذِّلَّةِ والامتهان، فقد توجّهت إليك أمس -والأرض خاشعة، والغيوم مطبقة، والسماء واكفة ترسل بين الفينة والفينة من المطر الرذاذ ما يبل الثياب، ويندي الطرق- بدافعٍ من الحب والإخلاص لحضرتك، ناسيًا أو متناسيًا ما تشعر به من الفرق بيني وبينك في المقام والسن والبيئة.

بل أسرفت في هذا النسيان حتى ظنّنت أنّك ستكبرني في هذه الروح التي جَشَّمَتْني الصَّعاب حتى وصلت إلى دارك، خصوصًا وأنا أعرف أنّك عربي ابن عربي، ولكن سرعان ما سقط في يدي وتولتني الدهشة والخجل حينما بَرَزَتْ لي الحقيقة بأجلى بيان وأوضح برهان، حينما عاد إليَّ خادمكم وقد نكس رأسه وأرخى طرفه قائلا في خفوض: إنّك تشكو الزكام! لقد دارت الأرض بي، ودرت بعيني فيمن حولي من حشمك وخدمك، فأدركت شناعة ما حلّ بي بينهم من المَسْكَنَةِ والصَّغار.

 على أنّي أرى من الإنصاف لك أن أعذرك في استغراب قدومي في مثل تلك الساعة، ولكن لا أجد حَرَجًا بالعتب عليك على احتجابك عن مقابلتي إن مُخطئًا أو مُصيبًا، بعد أن كَلَّفْتُ نفسي عناء السفر إليك والقصد إلى بابك، حتى صارت لي حرمة الضيف، وذمام المُسْتَجير، فعبثت بهذه الحُرمة واستخففت بالذِّمام.

 وَهَبْنِي ثقُلتُ عليك في تلك الساعة، ألست تعلم يا عزام أنّ العرب تقول: لا مروءة إلَّا بِصَبْرٍ؟ أترضى يا عَزَّامُ أن تكون خلوا من المروءة؟ وأنت مَنْ عُرِفَ بِطِيب الشَّيمِ وَكَرَمِ الخِلال. … ومع هذا كلّه، أقسم لك بالله أنّ حبك ثابت بين جوانحي، وأنّ الإعجاب بأدبك وفنّك لا يزال يحتل المكانة السامية من نفسي، ولكنّني أجدني مضطرًا إلى حرمان نفسي حظها من منادمتك، ومجالستك لأنّني من قومٍ لا يغضون للضيم ولا يَخْلُدُونَ للامتهان، بل يأبون لكرامتهم أن تخدش ولعزتهم أن تهان، وسلام عليك، ولا زلت متقلبا في النعماء، لابسًا رداء العزة والعافية، منتقلًا من رتبةٍ إلى أعلى وأسمى وأرفع، والسلام”.

قال شيخنا المبارك وهذا ردّ الدكتور عبد الوهاب الرقيق اللطيف:

“يا أخانا المبارك: سلام عليك، سأستغفر لك ربي… عَجِلْتَ إلى تهمة أخيك وكان حقّ الأخوة يقضي بالتثبت قبل القضاء. فقد كنت حين تشريفك لي مريضًا على سرير المرض، ولكن عندنا خادم غبي أحمق، أَمَرْتُه أن يدعوك إلى حجرة الضيوف، وأن يخبرك أن أخي حاضرٌ لِلقائِكَ؛ فطوى ذلك كلّه، وفعل ما هو أليق بغباوته وَحُمْقِهِ، وهو حديثُ عَهْدٍ بدارنا وسأخرجه منها إن شاء الله. وبعد ذلك، فأرجو أنْ تُشَرِّفَني كما شَرَّفْتَني مِن قَبْلُ، أو أن تضرب لي موعدًا في أيّ مكانٍ شئت، ومع هذا كلّه فلا تنسى قول الذي يقول:

إذا ما أَتَتْ لَكَ مِنْ صَاحِبِ زَلَّةٌ          فَكُنْ أَنْتَ مُحْتالًا لِزَلَّتِهِ عُذْرا

وسلام الله ورحمته عليك.

عبد الوهاب عزام … “.

قال الشيخ العجمي: “وقد سمعت الحكاية والرسائل التي بينهما من شيخنا المبارك مرّتين، من حفظه وسياقه، وحُلْوِ مَنْطِقِهِ وجَمَالِ حَبْكَتِهِ في ذلك كله، حتى تَوَدَّ أَنَّكَ تَسمعه مرارًا ولا تمله”.

شارك

مقالات ذات صلة