مدونات
أمجد العلي
تقع هضبة الجولان جنوب سوريا، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية وتاريخية، وكانت منذ قرون موطناً لشعوب متعددة ساهمت في تشكيل فسيفساء ثقافية غنية. ومن بين هذه الشعوب، عاش تُركمان الجولان محافظين على هويتهم وتقاليدهم ولغتهم عبر الأجيال، حتى جاء الاحتلال الإسرائيلي وما تبعه من حروب، ليغيّر مصيرهم بشكلٍ مأساوي، كما باقي مكوّنات تلك المنطقة.
في عام 1967، عقب الاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان، اضطر التُركمان مع إخوانهم من أبناء الجولان إلى مغادرة قراهم وأراضيهم، ونزحوا قسراً إلى مناطق متعددة في دمشق وريفها، مثل القدم، والعسالي، والحجر الأسود، وجوبر وغيرها. حاولوا بدء حياة جديدة من الصفر، وسط أوضاع قاسية وحرمان طويل، في ظلّ تجاهل نظام البعث لمعاناتهم، حيث إنّهم لم يحصلوا على أيّ تعويضٍ أو دعم حقيقي.
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، انخرط تُركمان الجولان، كغيرهم من مكوّنات الشعب السوري، في الثورة السورية الرافضة للظلم والاستبداد، لتبدأ بذلك محنة جديدة وقاسية. فقد شنّ نظام بشار الأسد حملات عسكرية شرسة على معظم المناطق التي لجأ إليها التركمان في دمشق وريفها، فدُمِّرت منازلهم ومناطقهم بالكامل، وتعرضوا لتهجيرٍ ثانٍ أكثر قسوة من الأول، حيث أُجبر كثير منهم على النزوح مجدداً، وهذه المرة إلى وجهات مختلفة معظمها إلى تركيا، وهناك، بدؤوا مرة أخرى من الصفر، محاولين أن يحيوا حياة كريمة تليق بإنسانيتهم، وأن يعيشوا في بيئة تتيح لهم الحرية والكرامة التي حُرموا منها طويلاً.
وكما عانى الآباء بعد تهجيرهم من الجولان، حمل الأبناء من بعدهم المعاناة ذاتها، وتحوّلت إلى إرثٍ متوارث، يتناقله الأبناء عن الآباء، وكأنّ اللجوء قد كُتب عليهم قدراً لا ينتهي. إذ وجدوا أنفسهم في مواجهة واقع جديد يفرض عليهم أن يدرسوا ويعملوا في آنٍ معاً، ليبنوا مستقبلهم بأيديهم، كما فعل آباؤهم من قبل.
وبعد انتصار الثورة السورية، راود الأمل أبناء تُركمان الجولان كما راود سائر أبناء الشعب السوري، بأن يعودوا إلى وطنهم، إلى أرضهم التي حُرموا منها. لكن سرعان ما اصطدم هذا الحلم بجدار الواقع المرّ.
فبينما استطاع كثير من السوريين العودة إلى قراهم رغم دمار منازلهم، بقي تُركمان الجولان عاجزين عن العودة، فمنازلهم مهدّمة، وقراهم لا يُسمح لهم بالدخول إليها، إذ تقع تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967. فأين يعودون؟ لا وطن ينتظرهم، ولا أرض تحتضنهم، وهكذا، ظلّ الحلم بالعودة معلقاً في فضاء الذاكرة، تصاحبه الحسرة والخذلان.
إنّ معاناة تُركمان الجولان ليست مجرّد قصة لجوء عادية، بل هي مأساة جماعية تحمل في طياتها أزمة هوية، وتهديداً وجودياً لكيان ثقافي أصيل. فاللغة تُنسى، والعادات تندثر، والانتماء يتآكل مع كلّ جيل جديد يولد بعيداً عن أرضه ووطنه. وهكذا، يمضي تُركمان الجولان بين ذاكرةٍ تُقاوم النسيان وواقعٍ يفرض الغياب. لا يحملون سوى حكاياتهم، يورّثونها جيلاً بعد جيل، علّها تكون يوماً جسراً للعودة، أو على الأقلّ، شاهداً على أنّهم كانوا هنا، وأنّهم لم ينسوا.

