آراء

حتّى تُنفِقوا مِمّا تُحِبّونَ!

مارس 1, 2026

حتّى تُنفِقوا مِمّا تُحِبّونَ!

رَوى ابنُ حَجَرٍ في كتابِه العُجابِ في بيانِ الأسبابِ: 

قالَ النَّبيُّ ﷺ مرَّةً لأصحابِه: مَن تَصدَّقَ بصَدقةٍ فَلَهُ مثلُها في الجنَّةِ!

فقالَ أبو الدَّحداحِ: إنْ تَصدَّقتُ بحديقتي، فليَ مثلُها في الجنَّةِ؟ 

فقالَ له النَّبيُّ ﷺ: نعم!

قالَ: وأمُّ الدَّحداحِ معي؟ 

قالَ: نعم!

قالَ: والصِّبيةُ معي؟ 

قالَ: نعم!

فرجعَ أبو الدَّحداحِ إلى حديقتِه فوجدَ أمَّ الدَّحداحِ والصِّبيةَ فيها، فوقفَ على بابِها وتحرَّجَ أنْ يدخلَها، فنادَى: يا أُمَّ الدَّحداحِ!

قالتْ: لبَّيكَ يا أبا الدَّحداحِ.

قالَ: إنِّي جعلتُ حديقتي صدقةً، واشترطتُ مثلَها في الجنَّةِ، وأمُّ الدَّحداحِ معي، والصِّبيةُ معي!

فقالتْ له: باركَ اللهُ لكَ فيما اشتريتَ!

فخرجوا من الحديقةِ وسلَّمَها أبو الدَّحداحِ للنَّبيِّ ﷺ يجعلُها في سبيلِ اللهِ.

وأنزلَ اللهُ تعالى في أبي الدَّحداحِ قولَه: ﴿لَن تَنالُوا البِرَّ حتّى تُنفِقوا مِمّا تُحِبّونَ﴾

الدَّرسُ الأوّل:

إنْ قال نبيُّكَ ﷺ شيئاً فصدِّقه، لا تقفْ على باب العقل طويلاً تطرقه بأناملِ الشَّك، هذا العقلُ طاقته حدود الحياةِ الدُّنيا فقط، أما الغيبيَّاتُ فمسألة تصديقٍ وتسليمٍ وإيمانٍ!

أيُّ عقلٍ هذا الذي سيستوعبُ حجم العرشِ والسَّماوات السبع والأراضين، بالنسبة إلى العرشَ كحلقةٍ في الصحراء؟!

أيُّ عقلٍ هذا الذي سيستوعبُ جنّةً عرضها السماوات والأرض؟! 

وناراً تُلقى فيها الصَّخرةُ فتهوي سبعين خريفاً قبل أن تستقرَّ في قعرها؟! 

أيُّ عقلٍ هذا الذي سيستوعبُ صراطاً أدقَّ من الشَّعرةِ وأَحَدَّ من السَّيفِ، وستعبرُ عليه الخلائقُ بأعمالها لا بأقدامها؟! 

أيُّ عقلٍ هذا الذي سيستوعبُ كفَّتي الميزان يوم الحساب، وكيف تصبحُ فيها الأعمال أوزاناً تُكال لصاحبها؟! 

أيُّ عقلٍ هذا الذي سيستوعبُ أن تئِطَّ السماء، لأن ما فيها موضع شبرٍ إلا ملكٌ راكعٌ أو ساجد، يُبعثون يوم القيامة يقولون: سبحانك ما عبدناكَ حقَّ عبادتكَ؟!

أيُّ عقلٍ هذا الذي سيستوعبُ أن يصير الموتُ كبشاً يوم القيامة، ثم يُذبح، وينادى: يا أهل النار خلود ولا موت، يا أهل الجنة خلود ولا موت؟!

ثمّ وهل يستوعبُ العقلُ كلّ ما جرى في الدُّنيا حتى يُعمِلَ عقله في الآخرة؟! 

أيُّ عقلٍ يستطيعُ أن يُفسِّرَ كيف يُشقُّ البحرُ بالعصا؟! وكيف تصيرُ النار برداً وسلاماً على رجلٍ يُلقى فيها، وكيف يبتلعُ الحوتُ رجلاً أياماً ثم يلقيه سليماً على الشَّاطئ، وكيف تحبلُ امرأةٌ دون أن يكون لها زوج، وكيف تقِفُ السِّكين عاجزةً أمام رقبةِ إسماعيل عليه السَّلام فلا تذبحه!

هذا الدِّينُ يحترم العقل في حدود قدرته واستيعابه، أمّا الإيمان فمسألة قلوبٍ، قلوبٍ فقط!

الدَّرسُ الثّاني: 

ما أجمل هذا الدِّين حين يُؤخذُ بالتسليم، وما أجمل المؤمن حين يثِقُ بوعدِ الله، وما كنتُ أُحبُّ أن أذكر هذه القصة، ولكنّها ألقتْ بنفسها في خاطري وقلمي الآن!

جاءتني زوجتي يوماً وقالتْ لي: هناك امرأة قد حُرمتْ الإنجاب، وقال الأطباء: إنّه لا سبيل إلى أن تحبل إلا بطفل أنبوب، والمرأة فقيرة بالكاد تجد قوت يومها وهي تُحِبُّ أن تنجب، وإنّي أريدُ أن أبيع شيئاً من ذهبي وأتكفل بعمليتها! 

فقلتُ لها: بارك الله بكِ، ولكن المال كثير وللهِ الحمد، فخذي ما شئتِ ولا داعي لأن تبيعي من ذهبكِ! 

فقالت لي: أعرفُ، ولكن اسمحْ لي أن أبيع من ذهبي، فأنا أحبُّ الذَّهبَ كما تعرف، والله تعالى يقول: “لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ”!

وكان هذا الموقف من أجمل ما مرَّ معي في حياتي! أعجبني جداً أن تكون الآيات عملاً وسلوكاً!

الدَّرسُ الثّالث:

أَعينُوا بعضكم على الحقِّ، ولا تقِفُوا في وجوه النَّاس وهم في طريقهم إلى الله! 

إذا رأيتِ زوجكِ يُسارع في برِّ أبويه فخذي على يده وشجِّعيه، فإن الذي يُعينُ إنساناً على الحقِّ له مثل أجره!

وإذا رأيتَ زوجتكَ تريدُ حجاباً شرعيّاً كاملاً، فإياكَ أن تكون عثرةً بينها وبين أوامر اللهِ، شجِّعها، وأعطِها المال بقدر استطاعتكَ لتشتري، بالأساس أنتَ مأمور بهذا قبلها، وهذه مهمَّتك قبل أن تكون مهمّتها، وليس هناكَ أحقر من الذي يرفضُ الحجاب بسبب “البرستيج” الاجتماعي، فيعمدُ إلى طلب يد فتاةٍ محجبةٍ ثمّ يشترطْ عليها خلعه! وهذا واللهِ من فعل الأباليس! 

إذا أراد ابنُكَ أن ينتسبَ إلى حلقةٍ لتحفيظ القرآن، فلا تقل له: ستفشل في دراستكَ! من قال لكَ أنّ حُفَّاظ القرآن فاشلون في دراستهم ووظائفهم، هذا القرآن ما نزلَ بساحةٍ إلا باركها، ثمّ إنّ العيبَ أن تنتظر ابنكَ ليُبادر هو بالفكرة، أيُّ أبٍ أنتَ إن لم تحثَّه، وتشجِّعه، وتكافئه! 

وإذا أرادت ابنتُكِ أن تُغطي وجهها، فلا تمنعيها بحجة أنّ النقاب يُؤخِّرُ العريس! 

ملايين المنقبات متزوجات، وملايين السَّافرات عزباوات، العريسُ كالمال، والصِّحة، والوظيفة، والسَّعادة، رزق يسوقه اللّه إلى عباده، واللّه أكرم من أن يسوق الرِّزق إلى عاصٍ ويمنعه عن طائع!

الدَّرسُ الرّابع:

المرءُ في ظلِّ صدقته يوم القيامة!

هذا وعدُ نبيِّكَ ﷺ، فصدِّقْه، وعِشْ المشهد بقلبكَ وروحكَ، تخيَّلْ أنّه يوم القيامة وقد دَنت الشَّمسُ من رُؤُوس العباد، هناك حيث لا ينفع النَّدم، ويقول العاصي: “يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي”، وأنتَ جالسٌ في ظلّ صدقتكَ، آمنٌ مطمئن، تصدَّقتَ لأجل هذه اللحظة وها هي قد أتتْ! 

مالُكَ بين يديكَ الآن فاشترِ به ليوم القيامة ظلاً، لا تتركْ مالكَ للورثة يتنعمون به ثم تجلس في قبرك وحيداً، تنتظر أن يتصدَّقَ أحدُهم عنكَ، أو يجعلَ لكَ صدقةً جارية، لا بأس أن تُفكِّر بأولادكَ من بعدكَ، ولكن ليس على حساب أن تنجو بنفسِكَ، الميت في قبره تسعده صدقته، فتصدَّقْ أنتَ، وتسره صدقةً جارية يجري عليه أجرها، فاجعل لك على الأقل واحدة، ثمّ من قالَ لكَ إنّ الصَّدقة تُنقص المالَ، كان وعداً على اللّه أنّه ما أنفقَ عبدٌ نفقةً يريدُ بها رضوانه سبحانه، إلا وأخلفَ عليه أمثالها، لا أحد أوفى ولا أكرم من الله، ثمّ هناك شيء اسمه البركة ما أنزلها اللّه في شيء إلا كثَّرته، وكلّ مالٍ منزوع البركة لا يكفي وإن كثُر، وكلّ مالٍ نزلتْ فيه البركة يكفي وإن قلَّ!

شارك

مقالات ذات صلة