آراء
“ألبير دوبونتيل” هو فنان فرنسي متعدد المواهب، كمنتج ومخرج وكاتب وممثل، وقد قدّم هنا قصة غريبة ومبتكرة وجريئة وذكية وغير مسبوقة، من خلال نصّ سينمائي قام بكتابته باحترافية بالتعاون مع زميليه “كزافييه نيمو” و”مارسيا رومانو”، وأخرجه برؤية شاعرية إبداعية، حيث من النادر أن أجد أعمالًا بهذه الجودة والابتكار في هوليوود، وخاصّة في الآونة الأخيرة.
تبدأ أحداث الفيلم الفرنسي “وداعًا أيها الحمقى” مع “سوز ترابيه”، وهي امرأة تبلغ من العمر 43 عامًا وتعمل مصففة شعر، وتكتشف أنّها مصابة بمرض عضال وفي مرحلة حرجة، فتقرر البحث عن ابنها الذي أُجبِرَت على التخلي عنه بعد ولادته حين كانت مراهقة.
في رحلة سعيها الجنونية، تقودها الحبكة إلى رجل خمسيني يدعى “جان بابتيست كوشاس”، وهو خبير معلوماتي في مرحلة الانفجار، إنْ صحّ التعبير، بالإضافة إلى السيد “بلان” الأعمى، الذي يعمل أمينًا للملفات الأرشيفية.
ما علاقة هذين الشخصين بـ “سوز” ورحلة بحثها عن ابنها؟! الأحداث تتحوّر بطرق ملتوية وغير متوقعة، وتكشف عن حبكات متعددة، ممزوجة بالدراما والكوميديا والرومانسية والغموض والأكشن والإثارة والتشويق بشكلٍ انسيابي فريد، لا نختبره أبدًا في السينما التقليدية.
وما يميّز الفيلم حقًّا ليس فقط غرابة القصة، بل تلك اللحظات الإنسانية العميقة التي تتسلّل بهدوء بين المشاهد الساخرة والمواقف العبثية، فوسط الفوضى والمطاردات نجد أنفسنا نتساءل عن الزمن الضائع، والقرارات التي نندم عليها، والحاجة الملحّة للمصالحة مع الذات قبل فوات الأوان.
في الوقت الذي تبدو فيه رحلة “سوز” محاولة لتصحيح خطأ قديم، تكشف الأحداث أن الخلاص لا يأتي دائمًا من الوصول إلى الهدف، بل من الأشخاص الذين نلتقيهم في الطريق، ومن القدرة على إيجاد معنى حتى في اللحظات الأخيرة من العمر.
طريقة الربط بين الشخصيات لا تخطر على البال، والتي تدل على عبقرية “ألبير دوبونتيل” وإبداعه، فالشخصيات لا تبدو منسجمة مع بعضها، ولكن بلمساته السحرية استطاع خلق انسجام رهيب بينهم، بالإضافة إلى شخصياتٍ ثانوية وجودها أثرى القصة وزادها رونقًا.
أداء الممثلين رهيب، من “فيرجيني إيفيرا” بشخصية “سوز”، و”ألبير دوبونتيل” نفسه بشخصية “جان بابتيست كوشاس”، ولا أنسى “نيكولا ماري” بشخصية السيد “بلان”.
بقية الممثلين قدّموا أداءً جميلًا، والمستوى الفني للفيلم كان ممتازاً، فقد أذهلني التصوير والمونتاج كثيرًا، وكذلك الموسيقى التصويرية لـ “كريستوف جوليان”، وبقية الأمور التقنية، فقد كان حقًّا فيلمًا رائعًا وجميلًا وممتعًا وظريفًا ومشوّقًا، وبالتأكيد هو واحد من أفضل الأفلام الفرنسية التي شاهدتها على الإطلاق.
اكتسح الفيلم جوائز سيزار، التي تعادل الأوسكار في فرنسا، محقّقًا الفوز بـ 6 جوائر، لأفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل نصّ سينمائي أصلي وأفضل ممثل مساعد “نيكولا ماري” وأفضل تصوير وأفضل تصميم مواقع، وقد ترشّح لـ 6 جوائز أخرى، لأفضل ممثل “ألبير دوبونتيل” وأفضل ممثلة “فيرجيني إيفيرا” وأفضل موسيقى تصويرية وأفضل مونتاج وأفضل تصميم أزياء وأفضل مؤثرات صوتية، ومن المؤسف أنّ الفيلم لم يحظَ بالتقدير الذي يستحقه خارج فرنسا.





